الاثنين، 18 يوليو 2016

صوت الأصيل الغائب

صوت الأصيل الغائب

الدكتور/ عصمت سيف الدولة

نعنى بالأصيل الأمة العربية .
ونعنى بالغيب أنها ليست، ولم تكن منذ خمسين عاما، طرفا حاضرا ومشاركا فى الصراع السياسى والاجتماعي الذى يدور حول مصيرها ذاته .    
   ذلك لأن الأمة العربية ـ عندنا ـ ليست الشعب العربى (البشر)، وليست الأرض العربية (الوطن) فإن لكل دولة شعبا ووطنا بدون أن يعنى هذا أن لكل دولة تقوم على أمة. وليست الأمة العربية عندنا شعبا ذا لغة واحدة أو حياة إقتصادية واحدة أو حالة نفسية واحدة أو دين واحد .
واحدة أو سائدة تستويان فليست هذه هى القضية؛ إن لكل قبيلة جائلة فى الصحراء أو كامنة فى الغابات لغة واحدة وحياة إقتصادية واحدة ودين واحد وشعور قوى بالانتماء القبلى يسمونه الحالة النفسية بدون أن يعنى كل هذا أن كل قبيلة أمة .
إنما الأمة العربية ـ عندنا ـ تكوين إجتماعى  واحد من الناس (الشعب) والأرض (الوطن) معا والحضارة التى نتجت خلال تطور تاريخى من تفاعل الشعب بالأرض. فنحن عندما نقول ـ مثلا ـ أننا أمة عربية ثم نتحدث عن الوطن العربى لا يكون حديثنا عن شيئين منفصلين بل عن الكل (الأمة) الذى يتضمن الجزء (الوطن) . فالشعب العربى (الناس) والوطن العربى (الأرض) يكونان معا الأمة العربية التى ما تحولت من شعوب لا تختص بالأرض التى تقيم عليها إلى أمة، أو من أرض لا تخص شعبا بعينه إلى أرض عربية، إلا عندما التحم الشعب العربى بالوطن العربى، واختص به ليكونا وجودا واحدا هو الأمة العربية خلال تفاعلهما الذى أسفر عن حضارة متميزة. أما كل ما تعلمناه من مميزات الأمة كاللغة أو الثقافة أو الدين .. الخ فتلك عناصر التكوين الحضارى وهى تختلف من أمة إلى أمة تبعا لظروف التطور التاريخى الذى كونها . أما الحالة النفسية المشتركة والولاء المشترك .. الخ فتلك معبرات فى الأفراد عن إنتمائهم إلي أمة قائمة وتختلف من فرد الى فرد فى الأمة الواحدة تبعا لوعيه علاقته بمجتمعه القومى .

   هذا الوجود الإجتماعى الذى نسميه أمة يحمل فى ذاته خصائص الإعتراف به والتعامل معه بحيث أن جهل أو تجاهل هذه الخصائص كلها أو واحدة منها يعنى أننا إما ننكر وجود الأمة أو أننا نستبعدها من نطاق التعامل بيننا .
   أولى هذه الخصائص وهى أن الأمة تكوين تاريخى نتج عن تفاعل أجيال متعاقبة من الشعب مع أرضه المعينة. وهذا يعنى أن الأرض (الوطن) ملكية تاريخية مشتركة بين أجيال الشعب العربى . ويترتب على هذا أن أى جيل من الشعب  العربى لا يملك حق " التصرف " فى أرض الوطن أو فى جزء منها . فإن فعل بأن تنازل أو تخلى عن جزء من الوطن العربى فإنه لا يفعل شيئا سوى خيانة أمته ويبقى للأجيال القادمة حق استرداد أرضها ومعاقبة الخونة .
ويكون هذا هو الموقف القومى الصحيح من معارك التحرر.

   الخاصية الثانية هى أن الأمة تكوين مشترك من الشعب العربى كله والوطن العربى كله . فكل فرد عربى ذو حق مساو لأى فرد عربى آخر فى كامل تراب الوطن العربى ، أى أن الأرض ( الوطن ) ملكية مشتركة بين كل أفراد الجيل القائم فى أية مرحلة تاريخية . وتترتب على هذا ثلاثة مواقف مبدئية :

الموقف الأول :
   أنه ليس لأى فرد أو مجموعة من الأفراد أن يستأثر لنفسه أو لأنفسهم خاصة دون باقى الشعب العربى بمصادر الثروة المادية أو البشرية المتاحة فى الوطن العربى بل هم شركاء فى المصادر فى العمل وفى الإنتاج وفى العائد . ومع إخراج الأرض من نطاق الملكية الخاصة يصبح لكل فرد عربى نصيب بقدر ما يؤدى من عمل منتج .
ويكون هذا هو الموقف القومى الصحيح من معارك الاشتراكية .

الموقف الثانى :
   أن ليس لأى فرد أو مجموع من الأفراد ولو بلغت عشرات الملايين أن تقتطع لنفسها من الوطن العربى جزءا ـ كبيرا أو صغيرا ـ لتستأثر لنفسها به دون باقى الشعب العربى ، وتمنع باقى الشعب العربى من حقه فى المشاركة فيه . فإن فعلت كان من حق الشعب العربى فى الجزء ، وفى باقى الوطن ، أن يعيد وحدته ووحدة أرضه .
ويكون هذا هو الموقف القومى الصحيح من معارك الوحدة .

الموقف الثالث :
  أنه ليس من حق فرد أو مجموعة من الأفراد ولو بلغت الملايين أن تنفرد بسلطة إتخاذ القرارات المتصلة بكيفية توظيف الموارد المادية والبشرية المتاحة فى الوطن العربى أو فى وضع النظام الدستورى أو القانون الذى يصوغ علاقة الناس فيه ، بل أن لكل عربى حقا متساويا فى الإسهام بالرأى وبالعمل فى إدارة مجتمعه القومى المشترك .
ويكون هذا هو الموقف القومى الصحيح من معارك الديموقراطية .

   هذه هى ضوابط الموقف القومى التقدمى كما يعبر عنه الشعار المثلث حرية  ( ديموقراطية ). وحدة . اشتراكية . ولأنها ضوابط مستمدة من خصائص واقع موضوعى هو الوجود القومى ، فإنها ضوابط موضوعية . فكما أن وجود الأمة العربية ذاته لا يتوقف على معرفتنا أو إرادتنا فإن ضوابط الموقف القومى التقدمى المستمدة منه لا تتوقف على إختيارنا . إن اخترناها فقد عرفناها ولم نختلقها . وإن لم نخترها فهى ضوابط صحيحة ويتحمل من يشاء مسئولية ما إختار . ولكنه فى هذه الحالة يكون إما منكرا لوجود الأمة العربية ، أو رافضا التعامل معها كواقع موضوعى . وألف باء السياسة تعلمنا أن إنكار الواقع الموضوعى أو تجاهله لا يؤدى إلا إلى الفشل .
***
غير أنه من الواقع الموضوعى أيضا ، الذى لا يجوز إنكاره أو تجاهله أن الأمة العربية (الوطن) مغتصبة بعض أرضها وتقوم على فلسطين دولة استعمارية استيطانية يسمونها " إسرائيل " . ثم إن الوطن تجزأ فيما بين عشرين دولة تضع كل منها لما تتأثر به حدودا تحرسها شرطة ومحاكم وسجون. ثم أن الأمة العربية (الشعب) مقسم فيما بين عشرين دولة تمارس كل دولة منها سلطاتها عليه وتلزمه دساتيرها وقوانينها ولوائحها وتعتبر بقية الشعب العربى خارج حدودها أجانب فلا تسمح لهم بأن ينتقلوا إليها أو يعملوا فيها إلا طبقا لشروطها . وتستأثر كل دولة بما فى الأرض التى قامت عليها من ثروات مادية وبشرية وتساوم أو تبادل أو تتاجر أو تضارب أو تبدد تلك الثروات طبقا لما يذهب إليه هو حكامها.
ثم أن فى داخل كل دولة تستأثر قلة بما هو متاح فيها من ثروات مادية وبشرية وتحصل من عائدها على ما تريد لها قوانينها المستغلة وتحرم الشعب العربى فيها وخارجها من حقه فى ثروات وطنه .
ثم أن فى داخل كل دولة تحتكر قلقة السلطة وتحرم الشعب العربى فيها وخارجها من حقه الديموقراطي فى إدارة شئونه المشتركة .
هذا واقع موضوعى أيضا .
هذا الواقع الموضوعى يحمل فى ذاته ـ أيضا ـ خصائص الإعتراف به والتعامل معه بحيث أن جهل أو تجاهل هذه الخصائص كلها أو واحدة منها يعنى أننا إما أن ننكر وجوده أو أننا نستبعده من نطاق التعامل بيننا .
أولى هذه الخصائص هى تفرد كل دولة عربية بوجودها الخاص أرضا وشعبا ، إن هذا يسلبها الحق ـ دوليا ودستورا ـ فى مد سيادتها إلي خارج أرضها ويمنحها حق منع إمتداد أية سيادة " أجنبية " إلى داخل أرضها . إنها مسئولة عن الحفاظ على وطنها والدفاع عن سلامة ترابها ، وليست ملزمة بأن تحافظ على ما يتجاوز حدود وطنها أو الدفاع عنه ، وكل دولة أو شعب مسئول عن أرضه ومصيره فإن فشل فذلك تقصيرا منه وإن استسلم كان " حرا " فى شأنه ولا مسئولية على الدول العربية الأخرى . وقد تتعاون الدول العربية وقد تتضامن وقد يساند بعضها بعضا فى معركة أو أكثر ولكن ذلك يكون فى نطاق الموقف المبدئى :" حق كل شعب عربى فى تقرير مصيره " مستقلا عن غيره .
ويكون هذا الموقف الإقليمي الصحيح فى معارك التحرر .

الخاصية الثانية هى إستقلال كل دولة عربية عن الأخرى . وليس لأى فرد عربى من الحقوق إلا ما يستمده من قوانين دولته ، وليس لأية دولة عربية أن تتدخل فى شئون دولة عربية أخرى وتترتب على هذا ثلاثة مواقف مبدئية :

الموقف الأول :
أنه ليس لأى فرد أو مجموعة من الأفراد أن يستأثر لنفسه أو لأنفسهم خاصة ، دون باقى الشعب " فى دولتهم " بمصادر الثروة المادية أو البشرية المتاحة فى  " وطنهم " بل لابد من أن يكون لك واحد حسب عمله . وليسو مسئولين بعد هذا عن تحرير شعوب غيرهم من الاستغلال والقهر الاقتصادي .
ويكون هذا هو الموقف الإقليمي من معارك الاشتراكية .

الموقف الثانى :
حق كل شعب فى كل دولة فى الاستقلال بدولته والاستئثار بما فى أرضها من ثروات وحريته فى استثمارها والتصرف فيها بدون تدخل من أية دولة عربية أخرى ، والدفاع عن هذا الاستقلال فكريا وسياسيا واقتصاديا وعسكريا والاستنجاد بالدول الأوروبية أو الأمريكية فيما لو حاولت دولة عربية أن تتدخل فى شئون الدولة المعينة .
ويكون هذا هو الموقف الإقليمي الصحيح من معارك الوحدة .

الموقف الثالث :   
حق كل دولة فى أن تقيم نظامها السياسى والاجتماعي الداخلي بدون تدخل فى شئونها وضرورة احترام هذا النظام السياسى والاجتماعي من كل الدولة العربية حتى لو كان قبليا أو إقطاعيا أو ديكتاتوريا فاشيا .
ويكون هذا هو الموقف الإقليمي الصحيح من معارك الديموقراطية .

واضح أن المواقف القومية تناقض المواقف الإقليمية تماما .
ومع ذلك فإن الواقع القومى الموضوعى ، والواقع الإقليمى الموضوعى متواجدان معا ومتداخلان فى الأمة العربية الواحدة . فكل قطعة أرض هى أرض قومية وأرض إقليمية فى الوقت ذاته . وكل شعب إقليمى هو فى الوقت ذاته جزء من الشعب القومى . وكل نصر إقليمى فى معارك التحرر أو الاشتراكية أو الديموقراطية هو فى الوقت ذاته نصر قومي . إن هذا التواجد المشترك بين القومى والإقليمي  فى الأمة العربية يثير كثيرا من الغموض الفكرى والحركى فتختلط المواقف وتتاح فرص الإدعاء والمثالية معا . إذ يسمح ـ أول ـ للقوى الإقليمية بأن تسترد تحركاتها بغطاء دعائى قومى . ويسمح ـ ثانيا ـ لبعض القوى الإقليمية بأن تستر عجزها بإدانة الإقليميين وتحركاتهم والوقوف سلبيا من الأحداث التى تجرى فى وطنهم القومى بحجة أنها أحداث إقليمية  يحركها إقليميون ، هذا بينما الأمة العربية ، أمتهم ، هى موضوع تلك الأحداث .

 فكيف يمكن تبرير هذا الغموض ؟
 بأن تفرز القوى فى الوطن العربى على أساس مواقفها من الواقع وتناقضاته القوميون التقدميون قوة مفرزة والإقليميون بكل اتجاهاتهم قوى مفرزة . كل قوة تمثل واقعا موضوعيا ماديا وبشريا . أحدهما الواقع القومى ، والثانى الواقع الإقليمى . وعندما تفرز القوى على هذا الوجه سيكون التناقض بينهما أعمق مما تجدى فيه المصالحة أو الحلول الوسيطة ، وسيكون الصراع بينهما أكثر ضراوة من كل صراع عرفته الأرض العربية . وهذا هو ما تدركه القوى الإقليمية تماما وتخشاه حتى الموت . ولما كانت القوى الإقليمية هى المسيطرة حاليا بأجهزتها الإقليمية " الدول " فإن كل تلك الدول تسخر قواها الظاهرة والخفية وتتعاون فيما بينها ومع أعداء الأمة العربية فى كل مكان للحيلولة دون أن تفرز القوى القومية نفسها فتصبح قوة مواجهة ضارية .

   ويساعد على هذا أن القوى القومية التقدمية لا تستطيع بحكم ولائها للأمة العربية أن تقف من المعارك التى يديرها ويقودها الأقليميون موقفا سلبيا . فهى تؤيد كل موقف إقليمى من أجل التحرر أو الاشتراكية أو الديموقراطية . وهذا بدوره يساعد القوى الإقليمية بأن تدعى أنها إنما تخوض المعارك من أجل الأمة العربية وقضاياها المصيرية . وهكذا تختلط المواقف وتبدو الخيانات الإقليمية كما لو كانت إنقاذا للأمة العربية ، وتستغل السمة القومية لكل غاية ، وكل نصر وكل هزيمة لتغطية الغايات الإقليمية واجبا فى النصر القومى ونسبة الهزيمة الى الأمة    العربية .

  فما الحــــــل  ؟..
   إن القوى الإقليمية السائدة لن تسمح أبدا للقوى القومية التقدمية بأن تفرز نفسها وتلتحم معا لتكون قوة مستقلة عن الدول العربية وقواها الإقليمية . إنها ستحارب هذا بكل وسيلة وعندما تعجز قد تحاول احتوائه لتكون القوة القومية التقدمية فى خدمة قوة أو قوى إقليمية . وبالتالى فإن مسئولية فرز القوى القومية التقدمية تقع على عاتق تلك القوى . ولا يجديها عذرا ما تلاقى من عقبات ينثرها الإقليميون على طريقها فإن أحدا لا يستطيع ـ بحق ـ أن يعتذر بما يفعله أعداؤه .

   عندما تفرز تلك القوة القومية التقدمية ستكون ممثلة للأمة العربية . أما قبل أن تفرز فإن كل الأطراف الذين ساهموا منذ خمسين عاما ويساهمون اليوم فى المعارك الدائرة على الأرض العربية ، أيا كان موضوع تلك المعارك ، هى قوى إقليمية . كل منهم يمثل إقليمه ، ولا يمثل أى منهم الأمة العربية . وقد يتعاونون ويتضامنون ولكنهم حينئذ حلف إقليمى يمثل دولهم ولا يمثل الأمة العربية . وعندما ينتصرون يكونون هم الذين إنتصروا وليست الأمة العربية . وعندما ينهزمون تكون الإقليمية هى التى إنهزمت وليست الأمة العربية . هذا بالرغم من أنهم " يستعملون " الشعب العربى والأرض العربية فى تعبئة قواهم وتحريكها . ذلك لأن الأمة العربية ( الوطن والشعب ) هى الأصل ، أما الإقليمية ( الدول والأحزاب) فهى لاتملك لنفسها شيئا غير الوطن العربى والشعب العربى .
   وسيظل هذا الموضوع قائما إلى أن تجد الأمة العربية من يمثلها . إلى أن تلتحم القوى القومية التقدمية فى تنظيم قومى وتقدمى . ينطلق من الولاء لأمة دون غيرها ، ويتخذ من الأحداث المواقف القومية التى ذكرناها ، ويناضل فى سبيل تحرير الوطن من أجل وحدته ووحدته من أجل حياة اشتراكية لكل أبنائه . يناضل تكتيكيا فى كل مكان من أجل إقامة استراتيجية واحدة : دولة الوحدة الاشتراكية الديموقراطية .
   وإلى أن يتم هذا لا تملك إلا أن نتحدث من موقع الولاء المطلق لأمتنا العربية ، تعبيرا عن موقف قومى مطهر تماما من أو شاب الإقليمية . إننا لا ندعى أننا نمثل الأمة العربية فنتحدث نيابة عنها ، ولكننا نزعم أننا فى هذا المكان ، وفى مثل هذا اليوم من كل أسبوع ، سنحاول أن نرفع صوت أمتنا فى كل الأحداث التى تجرى فى وطننا ولشعبنا . صوت أمتنا العربية الأصيلة الغائبة .
*****
جريدة السفير فى 6 يناير 1975



                                                                     


الثلاثاء، 12 يوليو 2016

الصهيونية فى العقل العربى

كانت هذه الدراسة بمثابة اشتباكا مبكرا مع الصهاينة العرب

الصهيونية فى العقل العربى

الدكتور/ عصمت سيف الدولة

 ما الصهيونية ؟
  فى البدء  كانت الصهيونية نظرية ، اصبحت استراتيجية بالعناصر الثلاثة  لكل استراتيجية : التنظيم ، الخطة، الهدف. ثم اصبحت  الصهيونية مواقف  وحركة ومعارك تكتيكية . ولايعنى  قولنا ان الصهيونية كانت ثم اصبحت انها انتقلت من مرحلة انقضت الى مرحلة جديدة ، بل  يعنى انها قد تمت واضيف الى مضمونها  الفكرى مضمون استراتيجى  ثم مضامين تكتيكية . فهى نظرية  على المستو ى الفكرى ، وهى تنظيم ذو خطط واهداف محددة على المستوى الاستراتيجى  وهى حركة جزئية  او مرحلية . فكرية او عملية ، فردية او جماعية ، على المستوى التكتيكى ، وكلها صهيونية .
  يكون من المفيد لنا ، نحن العرب، حين نتحدث  عن الصهيونية او نستمع الى حديث عنها ، حين تواجهنا او نواجهها، ان نعرف  ونحدد  المستوى الصهيونى الذى يدور عليه الحديث  او تجرى عليه المواجهة . قلت مفيدا ، واقول انه حيوى . اعنى ان هذه المعرفة بمستويات الصهيونية، والاستفادة بها مسالة حياة   اوموت  بالنسبة الينا نحن العرب . بحيث ا ن  أى خلط او خطأ ، أى جهل او تجاهل ، لمستويات الصهيونية قد يؤدى ـ فى صراعنا معه ـ الى هزيمتنا هزيمة لانعرف كيف وقعت . وافدح الهزائم واكثرها تدميرا هى التى لايعرف المهزوم كيف وقعت .
ترجع هذه الحيوية الى سببين متكاملين :
السبب الاول: ان مستويات الصهيونية ، مثل مستويات اية حركة سياسية يحكم بعضها بعضا ويحدده .فالنظرية  هىالمبدأ والمقياس الثابت. فهى تحكم الاستراتيجية وتحددها . بمعنى ان الاستراتيجية ، مهما تعدلت خططها ، او حتى   تغيرت ، لاتستطيع ان تفلت من اطار النظرية  . وستبقى  غايتها دائما تحقيق الهدف الذى حددته تلك النظرية . ثم ان المواقف الفكرية او الحركية ، الجزئية أو المرحلية ، الفردية او الجماعية ، السلمية او العنيفة ، التى تقع على مستوى التكتيك تكون  محكومة بالاستراتيجية  طبقا لهذا يكون من الحيوى بالنسبة الينا ، حين نتحدث عن الصهيونية او حين   نواجهها ، ان نميز بين تلك المستويات الثلاثة   ،ثم نتعرف اين يقع  الحديث او المواجهة منها . ثم ان نكتشف ، بالرغم من كل تمويه  ، حقيقة  الموقف التكتيكى برده الى الخطة الاستراتيجية لنعرف  على أى وجه يخدمها . ثم نراقب  الاستراتيجية  وننتبه الى  ماقد يصيبها من تغيرات لابد لها من ان تكون اكثر ملاءمة  عند اصحابها ، لتحقيق  الهدف . فاذا غم علينا الامر رددناه الى النظرية .. اذ هى المصدر الاول لكل حركة والمقياس الاخير لكل موقف .
  السبب الثانى : ان مستويات الصهيونية ، مثل مستويات اية حركة سياسية اخرى ، تتراكم وتتراكم  متجهة .من الفكر المجرد  الى الواقع العينى . من النظرية الى الاستراتيجية  الى التكتيك حيث تدور المعارك الفعلية  متنوعة المضمون  متنوعة القوى متنوعة الاسلحة . ولكن خط ، الانتصار  او الهزيمة يتجه ـ بالعكس ـ  من الواقع العينى  الى الفكر المجرد . يتم النصر  او الهزيمة  على المستوى التكتيكى  ، وبتراكمه تهزم الاستراتيجية او تنتصر ، ولكن النصر النهائى، او الهزيمة ، لاتتم  الا بهزيمة النظرية  ذاتها ، أى حين لا تجد احدا يقتنع بها وينطلق منها الى استراتيجية جديدة ، او بانتصار  النظرية ذاتها حين يتمكن الطرف المنتصر تكتيكياواستراتيجيا من صياغة  الواقع طبقا لنظريته . وبناء على هذا يكون من الاخطاء القاتلة  لاى طرف  ان يحسب النصر التكتيكى نصرا استراتيجيا  او يحسب  النصر الا ستراتيجى حسما نهائيا للنزاع . وبالعكس ان يعتبر الهزيمة التكتيكية  هزيمة استراتيجية او يعتبر الهزيمة الا ستراتيجية حسما نهائيا للصراع .
    فى عام 1967 ادرك جمال عبد الناصر مستوى الهزيمة بالرغم من جسامتها ، وقدم مثالا رائعا للقائد الذى يعرف طبيعة المعارك التى يخوضها ، فبعد شهرين فقط من الهزيمة الجسيمة رفع شعار " مااخذ بالقوة لايسترد الا بالقوة " ، وشعار " لامفاوضة ، لاصلح ، لا اعتراف " . وفى العام ذاته سئل وزير خارجية الصهاينة ، ابا ايبان ، عما اذ اكانت الصهيونية ستفعل لو نجح العرب فى تدمير اسرائيل فقال: كنا سنبدأ من جديد لاقامة دولة اسرائيل . وكان كلاهما يعبران عن السمةالتكتيكية  للنصر الصهيونى  والهزيمة العربية عام 1967.
***
    الصهيونية نظرية :
   الصهيونية نظرية فى القومية . تقول : ان اليهود امة . ولابد ان ننتبه الى هذا المفهوم  الصهيونى للامة العربية ، اولا: لان معرفته معرفة واضحة هى الضابط النهائى  للمواقف  الصحيحة من الصراع العربى الصهيونى . وثانيا : لان مشكلة الامة  والقومية مشكلة قائمة فى الوطن العربى على المستويين الفكرى والحركى . أى اننا ـ على وجه ـ نستعمل فى حديثنا عن الامة العربية ومستقبلها ذات الالفاظ التى يستعملها الصهاينة عن الامة اليهودية ومستقبلها . وقد يؤدى هذا الى ان تختلط فى اذهاننا المفاهيم فنتصور ان لنا ولهم نظرية واحدة فى الامة القومية .
اليهودية دين كما نعلم . واليهود هم ممن يؤمنون بذلك الدين ، ولما كان  الايمان بالدين ، أى دين، لايتوقف على الجنس او اللون او اللغة  اوالانتماء  الاجتماعى ، فهو انتماء مفتوح لكل من يؤمن ، فاننا نستطيع ان نتبين بسهولة ان اليهود ،  لمجرد انهم يهود،  لايكونون امة . والواقع  انه لاتوجد فى التراث العالمى كله ، على كثرة مافيه من نظريات فى الامة والقو مية ، نظرية  تقول ان اليهود امة الا النظرية الصهيونية .فالامة فى الصهيونية لاتحتاج فى تكوينها لتاريخى الى وحدة الدم او الجنس او اللغة او الارض او الحياة الاقتصادية .. بل يكفى لتكوين  الامة الانتماء الدينى ومايولده من قرابة روحية تميز بين اليهود وغيرهم من الامم .
    وتختلف هذه  النظرية اختلافا اساسيا عن مفهوم الامة والقومية فى الفكر العربى الحديث . حيث الامة "  مجتمع ذو حضارة متميزة من شعب معين مستقر على ارض معينة خاصة ومشتركة تكون  نتيجة تطور تاريخى مشترك ". ويدخل فى هذا التعريف كل ماتعلمناه من مميزات الامة  كاللغة او الثقافة او الدين فتلك عناصر  التكوين الحضارى وهى تختلف من  امة الى امة  تبعا لظروف لتطور التاريخى الذى كونها . اما عن المصالح الاقتصادية المشتركة فهى متوافرة فى كل مجتمع حتى لو لم يكن امة . واما الحالة النفسية المشتركة  والولاء المشترك .. الخ . فتلك معبرات فى الافراد عن وعيهم الانتماء الى ا مة قائمة ، ولكن الوجود القومى ، الامة ، لايتوقف عليها على اى حال فان  الفارق  الاساسى بين النظرية الصهيونية والنظرية العربية فى الامة هو الاختصاص بالارض والتفاعل معها حضاريا .
***
الصهيونية استراتيجية :
للاستراتيجية عناصر ثلاثة : الاداة . الخطة . الهدف.
(1) اما الاداة الصهيونية ، فهى المنظمة الصهيونية ، وليس مؤسستها السياسية   المسماة اسرائيل  ، كما قد يتبادر  الى الذهن . الصهيونية  منظمة هى التى جمعت الصهاينة وحشدت جهودهم من اجل هدفها . وهى التى بدات بالغزو السلمى قبل 1948 لارض فلسطين  فى شكل  الهجرة وشراء الاراضى ، وهى التى عبأت ودربت وسلحت قواها    استعدا دا للغزو المسلح . وهى التى غزت ثم  اقامت  دولة اسرئيل على قطعة محدودة   من الارض العربية . وهى التى تقف وراء اسرئيل وتستخدمها  كقاعدةانطلاق الى اسرئيل الكبرى التى تمثل  الهدف  النهائى . 
وينبغى  ان ندرك ، ان القول الفصل فى مصير الصراع العربى الصهيونى ليس ما تقوله و تفعله او تقبله اسرئيل القائمة  بل ماتقوله او تفعله او تقبله الصهيونية المنظمة على  المستوى العا لمى . والواقع ان اسرئيل ليست الا المشروع المصغر للهدف الصهيونى . وهى لاتمثل  من بين ادوات الغزو الصهيونى  اخطرها  واقواها تاثيرا فيجاورها  ووراءها   واقوى منها اثرا تلك القوى العالمية التى عبأتها الصهيونية  المنظمة من دول وجماعات وافراد  وافكار واموال وأعلام لتدعم قوة اسرائيل ثم تمد لها الارض العربية حتى تتقدم عليها  باقل خسائر ممكنة ..وقد تجنح حكومة فىاسرائيل  الى السلام  وقد تقبل  التخلى عن التوسع  ولكن هذ ا لن يكون  عند المنظمة الصهيونية  الا استسلاما او خيانة من حكام الدولة القاعدة  ولن تلبث  الصهيونية  ان تغير من تشكيل  الحكم فى دولتها الصغرى لتستانف مسيرتها الى دولتها الكبر ى.
  (2) اما الخطة الاستراتيجية  الصهيونية فتتميز اساسا بانها  عدوانية . ذلك ، لانها ، بحكم الفرق بين منشأ القوة وهدفها ، لابد ان تكون هجومبة . وقد تقف اسرائيل موقفا دفاعيا . وقد تتقهقرولكن هذا لن يكون الا موقفا تكتيكيا فى معركة تكتيكية فى نطاق استراتيجية هجومية عدوانية اصلا . وهو مايعنى تماما انه بعد أى توقف او تقهقر لايملك الصهاينة ، واداتهم اسرائيل ، الا ان يعودوا الى الهجوم  الى ان يتحقق هدفهم الاستراتيجى  او الى ان تهزم الصهيونية نهائيا . فهى اذن استراتيجية  هجومية عدوانية ، هجومية منسوبة الى الصهاينة . عدوانية منسوبة الينا نحن العرب.
(3) اما الهدف ، فقد حددته النظرية على وجه لايستطيع أى صهيونى ان يحيد عنه او يتوقف دونه ويبقى صهيونيا . وتمكن صياغته على الوجه الاتى: مادام اليهود ا مة  فان من حقهم ان يفعلوا ماتفعل كل الامم ، وان يعاملوا كما تعامل الامم . ومن حق الامم ان تقرر مصيرها بنفسها مستقلة عن اية امم او شعوب  اخرى . وهو مايعنى ان تكون لها دولتها القومية . والدولة لاتقوم الا من شعب معين على ارض معينة . اما الشعب  فهو كل اليهود ايا كانوا من اطراف الارض. عليهم ان يجتمعوا على ارض دولتهم . اما عن الارض المعينة ، فهم يقراون فى كتاب يسمونه التوراة ، وهو كتاب ظهر لاول مرة فى عهد الملك يوشا بعد وفاة موسى بن عمران بسبعة قرون كاملة ( سفر الملوك الثانى ـ اصحاح 22) . يقراون " لنسلك اعطى هذه الارض من نهر مصر الى النهر الكبير نهر الفرات " (سفر التكوين اصحاح 15 اية 18). الا انها ارضهم تاريخيا ؟ .. لا. يقراون وعد " يهوه" لاسرائيل بان سيقوده " الى مدن عظيمة لم تبنها ، وبيوت مملءة كل خير لم تملأها ، وابار محفورة لم تحفرها ، وكروم زيتون لم تغرسها "( سفر التثنية ـ اصحاح 6 ـ اية 11) . وماذا عن سكانها واصحابها ؟.. يقراون :" انى ادفع الى ايديكم سكان الارض فتطردهم من امامك" ( سفر الخروج اصحاح 23 اية 22) .
 وهكذا نعرف مايعرفه الصهيونيون ، وهو ان هدفهم الاستراتيجى الاستيلاء على ارض عربية تمتد من نهر النيل الى نهر الفرات ،واخلاؤها من سكانها ليقيم فيها يهود العالم كله دولتهم القومية .
***
 الصهيونية تكتيكا :
 لايمكن حصر  المواقف والاساليب والمراحل التكتيكية التى تترجم الخطط الاستراتيجية . ذلك لانه على المستوى التكتيكى تدور المعارك الفعلية ويلتحم المتصارعون وتتعدد الاطراف المشتركة بحيث لايستطيع أى طرف ان ينفرد باتخاذ موقف تكتيكى غير متاثر بالموقف  المضاد ، ولا ان يستعمل سلاحا بعيدا عن قياس مضائه على مضاء الاسلحة  التى يواجهها . باختصار يمثل المستوى التكتيكى الميدان المرن للمناورة فيه تتجلى كفاءة المقاتلين والقادة ، لا فى ميدان القتال فقط ، ولكن فى المقدرة على مواجهة المواقف الطارئة . والملاءمة بين حركاتهم وحركات القوى المضادة .. وتتوقف تلك المقدرة الى حد كبير على الادراك الثابت للتناقض بين الخطط الاستراتيجية للمتصارعين حتى يستطيع كل مقاتل او مشترك فى الصراع ان يطور من اساليبه التكتيكية باقصى قدر من المرونة ، ولكن بحيث لاتنتقل اساليبه من مجال خدمة استراتيجيته الى مجال خدمة استراتيجية العدو . فيكون قد هزم نفسه .
   ومع ذلك فلا باس من ان نقول ان حكماء صهيون قد اطلقوا حركة الصهيونية  من اية قيود انسانية او خلقية من اول القتل الى الكذب وقالوا يوصون ابناء صهيون ": اضربوهم وهم يضحكون ، اسرقوهم وهم لاهون ، قيدوا ارجلهم وانتم راكعون ، ادخلوا بيوتهم واهدموها ،تسللوا الى قلوبهم ومزقوها ".
***
  الهزيمة والاستسلام :
  طبقا للمقاييس التى ذكرناها تحقق الصهيونية هدفها باحدى طريقتين هزيمة العرب  او استسلامهم . اما بالاستيلاء على الارض العربية عنوة واخلائها من البشر واقامة دولة اسرائيل عليها ، واما تخلى العرب عن الارض  وتركتها لهم خالية ليقيموا عليها دولتهم . ولانقصد من قولنا خالية  الايوجد فيها عربى على الاطلاق ولكن نقصد ان لايقيم فيها  الا العربى الذى تقبل اسرائيل  اقامته . ذلك لانه لايخفى ان دولة اسرائيل  ستكون فى حاجة الى بشر من الدرجة الثالثة يعفون ابناءها من عبء العمل المرهق او العمل القذر وكمذيعين على موجات البث باللغة العربية ، وجواسيس ايضا.   
    المهم انه نتيجة الخلط المضطرب فى المفاهيم فى المرحلة الحالية اصبح من اللازم التفرقة بين الهزيمة والاستسلام .
  ان الهزيمة هى التخلى عنوة عن هدف تكتيكى او استراتيجى . اما الاستسلام فهو قبول التخلى عن هدف تكتيكى او استراتيجى بدون صراع . وقد يبدو الفارق بينهما دقيقا على المستوى التكتيكى . اذ قد يتم  الانسحاب بدون قتال من موقع تكتيكى نتيجة لتقدير القيادة لموازين القوى ، وتجنب خسائر محققة . هذا ليس استسلاما ولكنه مناورة ، واحدة من فنون الصراع  التى يجيدها الراسخون فى علم الصراع وفنونه .  وقد تكون مناورة الانسحاب ، والتخلى عن الارض ، بل حرقها وتدميرها ، ابرع تكتيك يخدم الهدف الاستراتيجى . كما فعل الروس مرتين امام نابليون وهتلر . وفى صراعنا مع الصهاينة ، اعنى الصراع العسكرى ، هزمنا عام 1948 وعام 1956 وعام 1967 وهزمناهم عام 1973، وكانت كلها معارك تكتيكية . فى عام 1948و1967 تخلى كثيرون من الشعب العربى فى فلسطين عن الارض وغادروها وكان ذلك يبد واستسلاما، ولكن حين تحول الشعب العربى الفلسطينى خارج الا رض المحتلة الى منظمات مقاتلة وبدا القتال اقتحاما اصبح من الممكن القول بان الهجرة تمثل انسحابا تكتيكيا وليس استسلاما . وحين امر الرئيس عبد النااصر بسحب الجيش المصرى من سيناء عام 1956 حتى لاتطوقه القوات الانجليزية والفرنسية الهابطة خلف منطقة القتال كان انسحابا تكتيكيا وليس استسلاما .. وهكذا .
    ولكن الفارق  بين الهزيمة والاستسلام يبدو واضحا حين تقع الهزيمة على المستوى التكتيكى فيتم التراجع على المستوى الاستراتيجى ، او حين تقع الهزيمة على المستوى الاستراتيجى فيتم قبول وتبنى نظرية المعتدين . وهو هنا استسلام لانه ليس النتيجة اللازمة للهزيمة . فليس من شان الهزيمة فى المعارك التكتيكية ، اعنى الجزئية او المرحلية ، ان تحسم المعركة على مستواها الاستراتيجى ، وبالتالى يكون التراجع الاستراتيجى غير مبرر ، أى تراجعا بدون صراع أى استسلاما . كما ان الهزيمة حتى على المستوى الاستراتيجى لاتعنى ان الصراع قد حسم وانما يحسم فقط حين يتبنى المنهزمون نظرية المنتصرين. واروع مثال على كل هذا معارك العرب ضد الغزو الصليبى . انهزم  العرب فى اكثر من موقعة تكتيكية  ولكنهم لم يسلموا ابدا بحق الصليبيين فى احتلال  الارض العربية ، لم يقبلوا ابدا ، ولم يتبنوا  النظرية  الصليبية ، فلم يلبثوا ، ولو بعد حين ، ان حرروا الارض وهزموا اعداءهم .  ومثاله الاخرحركات التحرر الوطنى فى العالم كله . بذرة نموها التى لم يصبها العفن ابدا ، هو رفض النظرية الا ستعمارية ، نظرية تحضير العالم اوروبيا ، نظرية تفوق الرجل الابيض ورسالته الحضارية الى البشر … ومن هذه البذرة ، وبعد قرون من العجز المادى عن المقاومة ، واتت الظروف فنبتت البذرة ثورات لم تلبث ان انتصرت .
    أليس هذا واضحا ؟.
   فما الذى يحدث الان فى العالم العربى ؟..
***
   الاستسلام الوشيك :
   هزمتنا الصهيونية عام 1948 واحتلت جزءا من فلسطين . وهزمتنا عام 1956 وخرجت من المعركة مستولية على مياهنا الاقليمية فى خليج العقبة . وهزمتنا عام 1967 واستولت على سيناء  والضفة الغربية والمرتفعات السورية .وفى مقابل هذا كنا ندرك ان تلك هزائم تكتيكية ونعد العدة لاستئناف المعارك . تحول شباب اللاجئين الى مقاتلين واقتحموا حدود وطنهم . وتقدم العرب الى القائد الذى انهزم يعوضونه ماليا عن دخل القناة ، ويتعاهدون معه على " الا مفاوضة ولاصلح ولااعتراف ". ومن مرحلة الاعتراف بالحطأ بدأت خطى التصحيح . وعبأت اكثر من دولة عربية كل قواها المادية والبشرية لاعادة انشاء الجيوش التى سحقتها الهزيمة ، واستؤنف القتال تحت اسم حرب الاستنزاف بعد اقل من ستة اشهر من الهزيمة علاقاتها الدولية على اساس ان مااخذ بالقوة لايسترد الا بالقوة . وحين وجد القادة لم يخذلهم الشعب وجاءت لحظة الاختبار التاريخى حين واجه جنودنا جنود الصهاينة  فى فرصة متكافئة  وانهزم الصهاينة  فى معركة تكتيكية ايضا .. ولكنها امدتنا باقوى اسلحة النصر النهائى : الثقة فى اننا نستطيع ان ننتصر .
    بكل منطق قومى او وطنى او علمى او حتى نفسى .. كان ذلك يعنى اولا : ان يدرك العرب ان نصر اكتوبر 1973 كان نصرا فى موقعة تكتيكية ، لم يحسم الصراع بين العرب والصهيونية على المستوى الاستراتيجى .ولكنه مهد لحسمه لصالح العرب . ثانيا : الايتركوا للعدو فرصة التقاط انفاسه وا سترداد قواه والتحول من الدفاع الى الهجوم . ثالثا : ان يحتفظ القادة بالثقة بالنصر التى قدمها اليهم الجنود بعد ان اشتروها بدمائهم  الغالية . رابعا : ان يكمل العرب ماينقصهم من عناصر القوة  فيضيفوا الى خططهم التكتيكية الجزئية المرحلية خطة استراتيجية شاملة بعيدة الامد .. خامسا: ان يكتشف العرب من خلال عناصر النصر الذى تحقق فى اكتوبر 1973 اصوله المبدئية ، ان يكتشفوا من خلال ماحقق عنصر التنسيق العربى من نصر مدى ماتتضمنه الوحدة من انتصار ، ومدى مسئولية  التجزئة عن مرحلة الهزائم .
   بكل منطق كان يجب ان نوالى انتصاراتنا العربية التكتيكية ، لتحقيق النصر على المستوى الاستراتيجى ، لنصوغ الحياة على الارض    العربية طبقا لنظريتنا القومية ، ونقنع الصهاينة بها ليبحث كل منهم عن ارضه التى جاء منها .
    ضد كل هذا ،
  ضد معطياته العينية ، المادية والبشرية والفكرية ، حدث مالم يحدث فى تاريخ الشعوب كلها بقدر مااعرف من تاريخ الشعوب . وفى ذات للحظة التى انتصرنا فيها فى معركة تكتيكية استسلمنا اونحن على وشك الاستسلام ، لا اقول على المستوى الاستراتيجى ، بل اقول على المستوى المبدئى . كان امامنا خيارات عدة  تقع جميعها على مستوى المعركة التى انتصرنا فيها . كان ممكنا ان نواصل المعارك . كان فى امكاننا ان نتوقف مرحليا . كان فى مقدورنا حتى ان نتخلى عن المكاسب التى حققناها ، وهو اقصى ، واقسى ، مايمكن ان يختاره المقا تلون على ا لمستوى التكتيكى . وكان يمكن ان يكون لكل هذا مبررات ، من الظروف الدولية ، او من الظروف العربية ، او من الظروف المحلية ، سواء كانت ظروفا سياسية او اقتصادية او حتى ذاتية ،  وسواء ‏كانت ظروفا صحيحة او غير صحيحة .. وكنا ستلف فى هذه المبررات ، ولكن خلافاتنا ماكان لها ان تتجاوزمستواها التكتيكى ، أى ان اقصى ماكنا سنختلف فيه هو : " كيف نواصل الصراع حتى نهزم الصهيونية على جميع مستوياتها .
   ولكن شيئا من هذا لم يحدث ..
    الذى حدث اننا بطريقة غريبة على التاريخ ، غريبة على الشعوب ، غريبة على تاريخ الشعب العربى بالذات ، انتقلنا ، نحن الذين انتقلنا . من نصر تكتيكى الى استسلام مبدئى ، موفرين على عدونا عناء الصراع على المستوى الاستراتيجى .
    ذلك لاننا سلمنا ببساطة بان من حق اليهود ان يقرروا مصيرهم ، أى انهم امة . ,ان من حق هذه الامة ان تكون لها دولة قومية وان تقوم تلك الدولة القومية ، الصهيونية ، على جزء من الارض العربية ، وان يكون هذا الجزء بالذات مااشارت اليه التوراة التى يقراها الصهاينة .لم يحدث ابدا ان ارغمنا الصهاينة  على تبنى نظريتهم هذه . لانه لم يحدث ابدا ان هزمونا على المستوى الاستراتيجى ، ولم يحدث ابدا ان حققوا من الانتصارات مايحسم الصراع بالنسبة اليهم على المستوى التكتيكى، وقد كان اخر لقاء بيننا هزيمة لهم .. لهذا قلنا ونقول :  اننا لم نهزم .. بل نستسلم او نوشك ان نستسلم …
   السنا مشغولين بوجود الشعب الفلسطينى ودولته ، السنا فرحين بان اعترف عدونا ، او بعض اعداءنا  بان هناك شعبا فلسطينيا ، وان من حقه ان يكون له موطنا، وليس حتى وطنا؟ السنا نتحاور ونتشاور  ونجادل ونختلف حول  صيغة وجود الدولة الفلسطينية ، هل تقوم مستقلة ام فى اتحاد فيدرالى او كونفدرالى مع الاردن اوسورية . السنا نركض فى انحاء الارض جميعا ، فخورين بكرمنا وسماحتنا وسعة افقنا نعرض السلام مع الصهاينة وندفع ثمنه مقدما قبول الوجود الصهيونى  على ارض فلسطين ؟ .. السنا نسعى الى حد المذلة ، علنا وخفية … ، ملتمسين من الصهاينة ان يقبلوا جوارنا مؤكدين صدق نوايانا فى قبول جوارهم ، على الارض العربية .. اليس على الارض العربية فى جنوب لبنان ، جيش مقاتل " صهيونى ـ عربى " موحد الاسلحة والامدادات والتخطيط وقد يكون موحد القيادة ؟…. ايها الشباب الا نسمى الان ، وطننا العربى ، منطقة الشرق الاوسط ؟..
  فما الذى بقى ؟..
   يقولون :" انها خاتمة جولة وستاتى بعدها جولات "  .. غدا تسترد دولة الضفة والقطاع مابقى من اسرائيل ؟..غدا نقوى فنستانف الصراع ؟ .. غدا .. ياتى جيل يلغى مافعلناه والتاريخ طويل؟ .
لايصدق من هذا القول الا القول الاخير . نعم ، غدا يأتى جيل عربى يلغى كل مافعلوه ، ولماذا غدا، انه قائم  قادر لن يولد غدا ، بل سيضرب غدا وان غدا لناظره قريب ، ولكن لماذ ايطول تاريخ المعاناة ونحن قادرون على اختصاره ..؟ السنا جيلا فاشلا؟.. افلا يكفيه فشله فيخون جيلا  ناشئا.
    اما عن الجولة  التى ستاتى بعدها جولة ، ودولة الضفة والقطاع التى ستحرر باقى فلسطين ، فلا اقول انه عناء . اقول انه احتيال . نصب . خديعة . اننا لم نحرر الضفة او القطاع او حتى جزءا منها ونقيم عليه دولتنا .ولو تم شئ من هذا ولو فى القطا ع وحده ، ولو فى مدينة واحدة من مدن الضفة لكان نصرا عظيما ، ولكننا مشغولون بقبول عرض مشروط .. مشغولون بدراسة صفقة دولة فلسطين فى مقابل دولة صهيونية . مع الاعتراف المتبادل والامن المتبادل ..  ولن ينتهى الامر عند هذا الحد.. سيستانف الصهاينة مسيرتهم العدوانية الى ان تتحقق لهم دولتهم بحدودها التى لاينكرونها.. فقط بلاسلوب الجديد .. اسلوب الاستسلام العربى …
   وبعد ،
   فلماذا استسلم العرب أو يوشكون على الاستسلام ؟ … اعتقد ان الصهيونية وحلفاءها ، بعد ان انهزموا  عسكريا فى جبهة القتال فى اكتوبر 1973 ، فتحوا من جباهنا ثغرات ، وغزوا عقولنا . اختصروا الطريق الى النصر النهائى ، فبدلا من احتلال ارضنا جزءا جزءا بدأوا فى احتلال رؤوسنا فكرة فكرة .  بدلا من الاستيلاء على الوطن يحاولون الاستيلاء على البشر ليكون الوطن لهم بعد ذلك بدون حاجة الى القهر ..
     جردونا من نظريتنا العربية ودسوا فى رؤوسنا نظريتهم الصهيونية .
      رفعوا من فكرنا القومية العربية ووضعوا بدلا منها القومية اليهودية ، ولما انمحت من ذاكرتنا دولة الوحدة قامت بدلا منها دولة اسرائيل . وكان لهم منذ البداية حلفاء جاهزون . اولئك هم الاقليميون  الذين انكروا امتهم ، فتنكروا لقوميتهم ، فمنحوا ولاءهم للتجزئة فيما بينهم . والتجزئة لاتمس بل تتدعم اذا مااعطيت الصهيونية جزءا مغتصبا  من الوطن  العربى مقابل ان تسكت عن اغتصاب الاقليمين باقى اجزائه..
   ولما انكر الاقليميون امتهم ، وفقدوا قوميتهم ، تجردوا من نظريتهم ، فلم يستطيعوا ، وما استطاع الاقليميون قط ، ولن يستطيعوا قط ، ان تكون لهم  استراتيجية موحدة فى مواجهة الصهيونية . ماكان ولن يكون للاقليمين اداة نضال عربية واحدة . ماكان ولن يكون للاقليمين خطة مواجهة واحدة . لم يلتق الاقليميون ولن يلتقوا قط على تحرير فلسطين …. وليس هذا قولا جديدا …
*****
القاهرة فى ابريل 1977

الأحد، 3 يوليو 2016

حتى لا يقع الفأس فى الرأس

كتب هذا المقال ردا على دعوات احتكار الجيش لمنصب رئيس الجمهورية

حتى  لا يقع الفأس فى الرأس

الدكتور/ عصمت سيف الدولة

النذير:
فى يوم 19 نوفمبر 1985 نشرت جريدة " الشعب" التى يصدرها حزب العمل الاشتراكى خبرا يقول:" يتردد فى الاوساط السياسية ان الرئيس مبارك سيصدر قريبا قرارا بتعيين المشير ابو غزالة نائبا لرئيس الجمهورية … تردد ذلك بقوة فى الاونة الاخيرة ، كما انه معروف بان هناك جهات كثيرة كانت تتعجل الرئيس مبارك  لاصدار قرار بتعيين نائب له ضمانا للاستقرار السياسى واكد الرئيس اقتناعه بأهمية ذلك ، بعد الاطمئنان الى اختيار الشخص المناسب فى الوقت الملائم ".
  لست مقتنعا بأن الرئيس مبارك يتجه الى تعيين المشير ابو غزالة نائبا لرئيس الجمهورية ، ولدى اسباب مقنعة بأن لو عرض المنصب على المشير ابو غزالة لاعتذر عن  عدم قبوله ، ذلك لاننى اعتقد ان الرئيس والمشير كليهما اكثر ذكاء واكثر حرصا على مستقبل مصر من ان يعرضاها لمخاطر جسيمة ممتدة فيما لو تم ذلك .  ولان المسالة فى نظرى اخطر بكثير مما يتصور كثيرون ، بل هى اخطر من كل المخاطر الخارجية والداخلية المحيطة بمصر . فانى انتهز فرصة نشر هذا الخبر  لاعرض على كل من يهمه الامر.. وعلى الراى العام اولا واخيرا  الحقيقة الدستورية والواقعية والسياسية لمسألة " نائب رئيس الجمهورية  ، والمخاطر الجسيمة التى ينذر بها الاتجاه الى اختيار قائد القوات المسلحة ، او أى قائد عسكرى ، ليكون نائبا لرئيس الجمهورية .
***
.........................................................
.........................................................
***
المخاطر:
    لهذا الخطر وجهان . احدهما عام والاخر خاص . اما الخطر العام فهو ان تتحول رئاسة الجمهورية الى شبه وراثية كما كان العهد بدولة الامويين حيث يأخذ كل خليفة البيعة ، بالرضا او بغيره لمن يريد ان يخلفه سواء من ولده او من اخوته او من غيرهم .والتاريخ يتحدث بدون استثناء عن ان هذا الاسلوب قد حول الخلافة ( الجمهورية ) الى ملك ( ملكية ) عن طريق التوريث وليس الوراثة بالضرورة .ولست اعتقد ان احدا فى مصر يريد العودة الى الملكية صراحة أو ضمنا ، دستوريا او واقعيا .
    اما الخطر الخاص فهو ان يلى الرئاسة بعد الرئيس حسنى مبارك بالذات قائد بالقوات المسلحة  او احد قادتها العاملين . ادراك هذا الخطر هو من بين الاسباب التى يقوم عليها اعتقادنا بان اتجاه الرئيس حسنى مبارك الى تعيين المشير ابو غزالة نائبا لرئاسة الجمهورية غير متوقع من الرئيس وغير مقبول من المشير . ذلك لانه منذ عام 1952 تولى رئاسة الدولة اربعة من العسكريين العاملين فى القوات المسلحة . الرئيس محمد نجيب والرئيس جمال عبد الناصر والرئيس انور السادات ـ بصرف النظر هنا عن ردته عن الثورة ـ والرئيس حسنى مبارك ، وذلك على مدى ثلاثين عاما متصلة .. وقد تولاها كل منهم لاسباب تاريخية خاصة به وليس لانه قائد عسكرى . اما الرؤساء الثلاثة الاول، فقد كانوا من بين قادة ثورة 23 يوليو التى قادها تنظيم الضباط الاحرار . والواقع التاريخى انه لم يثوروا لانهم ضباط ، او بصفتهم ضباطا ، بل بالعكس ، لقد ثاروا على صفاتهم كضباط لدى " جلالة الملك " واسقطوا ولاءهم العسكرى من اجل ولائهم السياسى للشعب . لقد كانوا ساسة عاملين منظمين مناضلين منذ عالم 1942 ولم تكن القوات المسلحة الا ميدانا لنشاطهم السياسى وقادة الثورة ايا كانت مواقعهم قبل نجاحها يتولون عادة سلطة الحكم ليضعوا المبادئ  التى ثاروا من اجلها موضع التنفيذ او ليضمنوا وضعها موضع التنفيذ .. ولقد اتجه جمال عبد  الناصر بالذات  منذ بداية توليه الى اعادة القوات المسلحة الى وظيفتها الدفاعية باسلوب لايزال محل تعليق حول ما اذا كان هو الاسلوب المناسب الوحيد ، اعنى ابعاد السياسين من الضباط الى مواقع مدنية فى وزارة الخارجية ( وهو انفاء الى الخارج)  او الى المؤسسات الحكومية، حتى لاتتكرر تجربة كانت لها ظروفها التاريخية غير القابلة للتكرار . اما الرئيس حسنى مبارك  فبالاضافة الى انه كان قد ترك موقعه القيادى فى القوات المسلحة ، الى منصب مدنى هو نائب رئيس الجمهورية ، فان اختياره للنيابة او للرئاسة كان جريا على تقاليد عالمية اخذت بها دول لاتسمح تقاليدها حتى ان يتولى عسكرى وزارة الدفاع. مقتضى هذه التقاليد ان تكرم القوات المسلحة المنتصرة باختيار احد قادتها المبرزين لتولى رئاسة الدولة لفترة تعبيرا عن شكر الشعب وعرفانه بتضحيات جنده وضباطه الابطال هكذا اختارت فرنسا دى جول رئيسا ، وهكذا اختارت الولايات المتحدة الامريكية ايزنهاور رئيسا ، بعد انتصار الدولتين تحت قيادة الرجلين العسكريين فى الحرب العالمية الثانية … وهكذا كان اختيار الرئيس حسنى مبارك نائبا ثم رئيسا تكريما للقوات المسلحة المصرية وبطولا تها فى حرب 1973 .
    هذه  الظروف التاريخية الخاصة غائبة عن الوعى العام وان كان كثيرون يعر فونها ويذكرونها ، انما الشائع فى الوعى العام خاصة لدى الجيل الجديد من مواليد مابعد 1952 او قبيلها ان مصر يحكمها " العسكريين ".. وهم يتوقعون ان يكون نائب رئيس الجمهورية عسكريا ، ليكون خليفة حسنى مبارك فى الرئاسة عسكريا .. لست اعرف مايثيره هذا التوقع من مشاعر لدى الكافة. ولكن  اخشى ما اخشاه ان يسلموا  به ،  فان مصر حينئذ ستتحول الى مثل جمهوريات امريكا اللاتينية وتعانى فى المستقبل القريب او البعيد ماعانته .  وتلغى الغاءً واقعيا ارادة الشعب فى اختيار حكامه ، ويصبح الاستفتاء تغطية شكلية ، وتبقى الديموقراطية غائبة حتى عن امل الشعب فى المستقبل .  واليوم معنا حسنى مبارك وابو غزالة وغدا وبعد غد لا ندرى من يكون . انما الذى ندريه انه اذ يستقر فى الوعى العام ان الكلية الحربية هى باب اول الطريق الى رئاسة الدولة ، لن يكون الراغبين فى الانتساب اليها مقصورين على ضباطنا الذين عرفناهم وطنية وبطولة وانكار ذات واستشهاد بل ستزاحمهم فيها قلة من المغامرين .
   لابد اذن ، وفى هذه المرحلة الدقيقة من تاريخنا ، من الحيلولة بأى ثمن دون ان تتحول السوابق ذات الظروف التاريخية الخاصة الى تقليد عام . يحتكر فيه العسكريين ، او غير عسكريين من الفئات المتميزة بوظائفها او مؤهلاتها ، رئاسة الدولة والحكم . ان هذا الاحتكار استبعاد للشعب صاحب الحق فى ان يختار من يشاء لتولى وظائفه العامة ومن بينها وظائف الحكم والرئاسة .
    ان هذا يعنى تماما ان ليس مرجع الخطر اختيار احد العسكريين للرئاسة . انما مرجعه ان ياتى هذا الاختيار بعد اربعة رؤساء من العسكريين فيتحول الى تقليد دستورى  بدلا من احكام الدستور . والواقع انه فى مصر ، وفى غير مصر من دول الارض، لايشترط فيمن يتولى رئاسة لدولة او الحكم مؤهل خاص . بل لعل الكثيرين لايعرفون انه لايشترط فيهم حتى القراءة والكتابة . يعرفون هذا الذين مايزالون يذكرون الحوار الدستورى الذى ثار حينما اختارت وزارة الوفد الدكتور طه حسين وزيرا للمعارف . ولهذا حكمة مصدرها خبرة الشعوب . ان الدولة ليست جيشا لتحتاج الى خبرة قادة الجيوش . وليست مؤسسة  بناء او صناعة او مقاولات لتحتاج الى خبرة المهندسين . وليست محكمة الى خبرة قانونيين . وليست مؤسسة استيراد وتصدير لتحتاج الى خبرة سماسرة . الدولة مؤسسة شعبية فهى فى حاجة الى خبرة التعايش مع الشعب واحترامه وكيفية التعامل معه والولاء لصالحه ، أى انها فى حاجة الى خبرة " سياسية " والسياسة هى ادارة الدولة ، وليست اية مهنة او صنعة اخرى . وبالتالى فان احتكار اية فئة او طائفة للحكم بحكم انها تجيد القتال او تجيد البناء او تجيد الصناعة او تجيد التجارة او متخصصة اكاديميا فى الطب او الاجتماع او القانون ، هو استيلاء على الدولة دون الشعب صاحبها . فلابد اذا ما جاءت الظروف بنمط من التكرار من الانتباه الى خطر أن يتحول التكرار الى احتكار ، واذا كانت الدولة قد انتهت حفاظا على المستقبل وليس شكا فى استقامة احد ، ان تحرم على شاغلى  بعض الوظائف  العامة ، ان يمارسوا بعد تركها عملا يتاصل بما كانوا قائمين على ادائه الا  بعد سنين ، فاولى  ان يحرم على شاغلى الوظائف السيادية ، ان يرشحوا انفسهم ، لرئاسة الدولة  الا بعد سنين من ترك وظائفهم ، فان لم تكن ثمة وسيلة  دستورية او قانونية لمنعهم فاولى بهم ان يمتنعوا فبذلك يردون عن مستقبل مصر مخاطر لايعلم مداها الا الله ..
القاهرة فى 23 نوفمبر 1985

السبت، 2 يوليو 2016

الديمقراطية ودولة المؤسسات

كتب هذا المقال ردا على تهديدات حسنى مبارك عام 1986، بان مؤسسات الدولة ضاق صدرها بالمعارضة.

الديمقراطية ودولة المؤسسات

الدكتور/ عصمت سيف الدولة

   1ـ فى عام 1980 كان بعض المواطنين متهمون فى إحدى الجنايات " بإذاعة بيانات مغرضة " . وهى تهمة معاقب عليها طبقا للمادة 102 " مكررا " من قانون العقوبات حتى لو كانت البيانات صحيحة إذا كان من " شأنها الحاق الضرر بالمصلحة العامة " . أما ما هى هذه المصلحة العامة فلا يوجد فى أى قانون فى مصر تعريف محدد لها . وبهذا أصبحت تحت تصرف السلطة لتزج بمن تريد إلى أقفاص الإتهام ، بدون أن تسأل نفسها : كيف تكون إذاعة البيانات الصحيحة ضارة بالمصلحة العامة ، وما شأن البيانات الكاذبة إذن ؟.. ولكن القضاء يسأل . فسألت المحكمة شاهدا من كبار ضباط جهاز أمن الدولة :" أليس من المتصور لكل من يعمل بالسياسة فى بلد ديموقراطي أن يعمل على إيجاد قاعدة شعبية بمحاولة الدفاع عن بعض الهيئات ؟. أجاب ضابط أمن الدولة :" أتصور أن يقوم بذلك الأفراد أصحاب المصلحة من خلال المؤسسات الشرعية الموجودة فى الدولة ".
***
   2ـ كان ذلك خلال الحقبة الساداتية التى رفعت غالبا شعار " دولة المؤسسات " عنوانا على " ديموقراطيتها " . انقضت تلك الحقبة وجاء حسنى مبارك فلفت الإنتباه بقوة إلى الوجه الآخر لدولة المؤسسات . قال فى حديثه المثير الذى نشر فى عدد مجلة المصور الصادر يوم 16 يناير 1986 محذرا المعارضة : " إن كنت قد تحملت الكثير فهناك غيرى لا يتحمل . إن الحكم ليس فقط شخص رئيس الجمهورية بل الحكم هو مؤسسات ودولة " . وأضاف الرئيس :" إننى أنبه إلى خطورة البديل عن الإختيار الديموقراطي ونحن لا نريد أن نعود إلى بدائل من هذا النوع .. إن البديل فى علم الغيب ولكنه مخيف وخطير ". وهكذا أشار رئيس الجمهورية إلى أنه مع الديموقراطية لا يريد بديلا عنها مع أنه يتحمل الكثير ، ولكنه شخصيا ليس وحده الحكم بل الحكم مؤسسات ودولة ، وأن غيره لا يتحمل وقد يستبدل بالديموقراطية ما هو مخيف وخطير، فأصبح واضحا أن " غير الرئيس " هو واحدة أو أكثر من مؤسسات الدولة . فما هى مؤسسات الدولة ؟ ..
***
   3ـ مؤسسات الدولة هى التى تتلقى السلطات التى تتولاها من الدستور مباشرة وليس من قانون تصدره المؤسسة التشريعية ، وفى هذا تختلف عن الوزارات والإدارات . وقد جاءت على سبيل الحصر فى الدستور فهى (1) رئاسة الدولة (2) مجلس الشعب  (3) الحكومة (4) القضاء (5) المحكمة الدستورية العليا (6) المدعى العام الاشتراكى (7) القوات المسلحة (8) الشرطة (9) مجلس الشورى . ولمن شاء أن يتأمل هذه المؤسسات " غير رئاسة الدولة " التى حذرته ليتعرف على مؤسسات الدولة التى " لا تحتمل " المعارضة فتهدد بما هو مخيف وخطير، أما نحن فنريد أن نتحدث عن العلاقة بين المؤسسات عامة وبين الديموقراطية حديثا قد يهدى من يريد أن يهتد إلى طريق النجاة من المأزق المحتمل .
***
   4ـ إن المؤسسات أجزاء من تكوين الدولة وأدوات الحكم . ومجرد مؤسسات تعنى أن للحاكمين أساليب محكمة فى ممارسة السلطات وهذا هو ذاته الذى نشأت الديموقراطية وتطورت لحماية الشعب من مخاطر استبداده ، فمنذ أن نبه مونتسيكور فى كتابه " روح القوانين " الصادر فى عام 1748 إلى أنه :" إذا اجتمعت السلطة التشريعية والسلطة التنفيذية فى مؤسسة واحدة فثمة خطر على الحرية إذ يخشى فى هذه الحالة أن الملك ذاته ، أو مجلس الشيوخ ذاته ، ألا يصدر قوانين إلا لكى ينفذها تنفيذا استبداديا ". استقر مبدأ ديموقراطي هو الفصل بين السلطات ، أخذا باقتراح مونتسيكو نفسه :" حتى لا يستبد أحد بالسلطة لا بد من سلطة أخرى توقف السلطة الأولى عند حدودها ". وهكذا نرى أن أول مبدأ أساسى من مبادئ ممارسة الديموقراطية الليبرالية كان موجها ضد مؤسسات الدولة ومخاطر توحيدها فى مؤسسة واحدة على حرية الشعوب ، بفرض استقلالها بعضها عن بعض وإعطاء كل منها سلطة الحد من استبداد الأخرى . ليست العبرة إذن بالمؤسسات ولكن العبرة ، فى الديموقراطية ، بما إذا كانت تلك المؤسسات تمثل ضمانا ضد استبداد الحكام أم لا . ذلك لأنه منذ أن أصبحت مهمات الحكم أكثر اتساعا وأشد تعقيدا من أن يتولاها طاغية واحد بنفسه وبطانته ، اصطنع كل الطغاة مؤسسات أدوات ليكونوا قادرين من خلالها على فرض إرادتهم المستبدة . ولعل التاريخ لم يعرف قط دولة اتخمت بالمؤسسات حتى كاد كل فرد من الشعب فيها أن يكون عضوا فى مؤسسة أو لا يكون مواطنا أصلا ، كما عرف المانيا النازية وايطاليا الفاشية .  ليس معنى هذا أن ليس للمؤسسات دور ديموقراطي ولكن معناه أن مجرد وجود المؤسسات ضرورة إدارية اقتضاها تقسيم العمل فى وظائف الحكم المتشعبة ، وأنها تكون ضرورة ديموقراطية حينما تكون حماية للحرية ضد استبداد الظالمين . أما القول بأن وجود المؤسسات إطلاقا هو عنوان الديموقراطية فهو خطأ جسيم ، ويتحول إلى خطر جسيم حينما تصبح تلك المؤسسات أدوات للمستبدين تحول أفكارهم الخاصة إلى قوانين وتردع باسم تلك القوانين كل من يجرؤ على ممارسة حقه الديموقراطي فى أن يسهم بالفكرة والرأي.
***

   5ـ ولم يكن مبدأ الفصل بين السلطات هو المبدأ الديموقراطي الوحيد الموجود ضد مخاطر إستبداد المؤسسات فى الدولة بل أن كل المبادئ الديموقراطية هى ديموقراطية لأنها أسلوب شعبى لمواجهة إستبداد المؤسسات فمثلا يعتبر التمثيل النيابى أحد معالم النظام الديموقراطي . وفى التمثيل النيابى ، كما هو معروف ، لا يمارس الشعب سيادته بنفسه ، أى أن الحكم لا يكون بالشعب كما هو مفهوم الديموقراطية ، ولكن عن طريق إنتخاب أقلية الأقلية من الشعب توكل إليها مهمة التشريع . الأقلية هم جماعة الناخبين وأقلية الأقلية هم الأعضاء المنتخبون . ويقال عنهم فى المرسل من القول أنهم يمثلون إرادة الشعب . وهو قول غريب على الديموقراطية . فمنذ أن قال جان جاك روسو :" لايمكن أن يكون هناك تمثيل فى السيادة لنفس السبب الذى يجعلها غير قابلة للتنازل فهى تكون أساسا فى الإرادة العامة والإرادة العامة لا يمكن تمثيلها إطلاقا فهى أما تكون هى نفسها أو تكون سيئا آخر " ، استقر فى فقه القانون العام والخاص بمبدأ " أن الإرادة لا تنتقل " ، ولم يقل أحد ، أى أحد ، على مدى قرون من الممارسة العالمية للنظام النيابى ، أن النواب يمثلون إرادة الشعب . وإنا لنعرف أن فى تأصيل نظام التمثيل النيابى نظريات عدة ، منها نظرية النيابة التى يمثلها الفقيه بارتلمى والتى ينتمى إليها أغلب الشراح العرب فى مصر : وحيد رأفت ، ووايت إبراهيم ، وعبد الحميد متولى ، وعثمان خليل ، ومصطفى كامل .. إلى آخره .
   ولكن أيا من تلك النظريات لم تتضمن كلمة واحدة يفهم منها مباشرة أو بطريق غير مباشر أن النواب المنتخبين للقيام بمهمة التشريع يمثلون إرادة الشعب ..
   لماذا ؟.
لأن المجلس  التشريعى المنتخب يتحول بمجرد انتخابه إلى مؤسسة من مؤسسات الدولة وأداة من أدوات الحكم بمعناه الواسع . من هنا لا يعتبر مجرد وجود مجلس تشريعي منتخب ظاهرة ديموقراطية ولا دليلا على توفر الديموقراطية . وإلا لكانت كل الدولة التى نعرفها ، فيما عدا السعودية دولا ديموقراطية  لأنها كلها تملك مصانع إنتاج القوانين التي يسمونها المجالس التشريعية المنتخبة . وإلا لصح زعم بعض المستشرقين أن الإسلام دين غير ديموقراطي لأنه أمر بالشورى ولكنه لم يأمر بأن ينتخب المسلمون من بينهم مجلسا يتولى وضع القوانين ، لا ، المجالس النيابية قد تكون ظاهرة ديموقراطية وقد لا تكون . يتوقف الأمر على ما إذا كانت أدوات حماية مصالح الشعب وحريته أم أدوات لتقنين إرادة السلطة التنفيذية واستبدادها . كل هذه بدهيات يعرفها كل من يعرف شيئا عن الديموقراطية ، وإن كان لا يدرك أهميتها إلا القليل ممن درسوا النظم السياسية . ولقد كانت تلك البدهيات وراء المناقشات والمناورات والصراعات التى دارت فى " لجنة المبادئ الأساسية لمشروع       الدستور " . دستور 1971 .
   فقد كانت تلك اللجنة المشكلة أساسا من أساتذة القانون العام قد ضمنت قائمة المبادئ مبدأ أساسيا تحت رقم 56 نصه :" على كل أعضاء مجلس الشعب والمجالس الشعبية المحلية أن يقدم حسابا للناخبين عن نشاطه ونشاط مجلسه وللناخبين حق سحب الثقة من العضو فى الأحوال وطبقا للشروط والإجراءات التى يحددها القانون ". فلما أن عرضت المبادئ على مجلس الشعب عدل النص ، فلم يوافق المجلس بالإجماع ، على ان يتضمن الدستور النص التالى :" للناخبين أن يطلبوا إلى المجلس إسقاط عضوية أحد الأعضاء وفق الشروط والأوضاع الخاصة بإسقاط العضوية الواردة فى الدستور ".
   وبالرغم من الهزال الذ ى أصاب المبدأ الديموقراطي وحوله إلى رابطة رقابية واهية بين الشعب والعضو المنتخب فإن أيدى الاستبداد التى أخذت المبادئ التى تمت الموافقة عليها بالاجماع تصوغها دستورا يعرض على الإستفتاء الشعبى ، أعطت نفسها حرية حذف النص وعرض الدستور على الإستفتاء خاليا منه .
***
   6ـ من أين إذن تستمد المؤسسة التشريعية ما تستحقه من نسبتها إلى الديموقراطية ؟.. لا من كونها مؤسسة ولا من كونها منتخبة ، ولكن من مدى ما يتمتع به الشعب من حريات تمكنه من إبقاء تلك المؤسسة فى خدمته أداة لتحقيق إرادته فى مواجهة المؤسسات الأخرى المسماة السلطة التنفيذية ، وليس تاريخ النظام النيابى إلا تاريخ كفاح الشعوب لفرض إرادتها على تلك المؤسسة التى انتخبوا أعضاءها .
   فمن حق الاقتراع المقيد بالملكية إلى حق الاقتراع العام غير المقيد خطوة نحو الديموقراطية تمت خارج مؤسسات الدولة وفى مواجهتها . وهى خطوة سمحت للفقيه الإنجليزي بورجى بأن يقول أن الدستور الإنجليزى لم يوجد إلا منذ 1832 وهو تاريخ أول محاولة فيما يسمى بالإصلاح الديموقراطي فى انجلترا والذى تمل فى إتاحة الاقتراع لمزيد من المواطنين . والانتخاب الدورى خطوة ديمقراطية أخرى تتيح للشعب أن يعيد تشكيل المؤسسة التشريعية ويبقى النواب فى حاجة مستمرة لإرضائه . وحق التمثيل النسبى الذى يتيح للأقلية أن تختار أعضاء فى الهيئة التشريعية بقدر حجم الأصوات التى تنتمى إليها خطوة أخرى نحو الديموقراطية تتيح لكل الاتجاهات أن تسهم فى صنع التشريع والرقابة عليه .. كل هذه مظاهر للديموقراطية خارج مؤسسات الدولة .
***
   7ـ ثم نأتى إلى المعارضة . إن كل أنصار النظام النيابى ، الذين يعتبرونه نظاما ديموقراطيا يؤكدون أنه لا ديموقراطية بدون معارضة منظمة داخل المجالس النيابية . والمعارضة داخل المجالس النيابية هى ذلك الفريق الذى لا يشارك فى الحكم . فمن أين يستمد الحكم استحقاقه لوصف الديموقراطية . ليس من الأغلبية التابعة للحاكمين. والتى يسخر بها المؤسسة التشريعية لتحويل ارادتهم إلى قوانين ، ولكن من المعارضة التى بها ، وليس بغيرها ، يمكن أن تنسب القوانين إلى الشعب وليس إلى فريق الحاكمين وحدهم . ومن هنا فإن المعارضة هى مصدر شرف إنتساب أى حكم إلى الديموقراطية ، ولا يستحق أى حكم هذا الشرف إلا بقدر حرية المعارضة واتساعها .
***
   8ـ ولا يمل فقهاء القانون ورجال السياسة من التأكيد على أنه من المظاهر الأساسية للديموقراطية فى أى حكم ما يسمونه الرأى العام ، ويعنون  به حرية التعبير وحرية الاجتماع وحرية الصحافة .. إلى آخره .. وكل هذا نشاط يدور خارج مؤسسات الدولة وفى مواجهتها . فحرية التعبير يقصد بها حرية التعبير خارج المجلس النيابى ومؤسسات الدولة . وحرية الاجتماع يقصد بها حرية إجتماع المواطنين من غير أعضاء مجلس الوزراء أو اللجان الحكومية . وحرية الصحافة يقصد بها حرية نشر الإفكار والآراء غير الرسمية ، أى غير خطب وبيانات مؤسسات الدولة . والرأى العام الذى يعبر عن ذاته بهذه الأدوات وغيرها هو رأى الشعب وليس رأى شاغلى المناصب فى أية مؤسسة حكومية . ففى خارج هذه المؤسسات تقوم أو لا تقوم الديموقراطية . وعلى مدى إنتشار وتنوع وحرية التعبير عن الرأى العام يتوقف استحقاق أى حكم شرف الانتساب إلى الديموقراطية .
***
   9ـ ثم نأتى إلى الأحزاب ، ينقل إلينا أساتذة القانون الدستورى قولا مترددا من انه لا قيام للديموقراطية بدون أحزاب سياسية . لماذا ؟ مع أن الأحزاب السياسية ليست مؤسسات حكومية بل هى تجمعات شعبية اعتباريه منظمة ، لأنها هى التى تجمع وتنظم وتجسد وتقود اتجاهات الرأي العام . وتمنحها بهذا التنظيم قوة جماعية تستطيع أن تنقد وتعارض وتردع وتسقط الحكام إذا ما حاول الحكام أن يسخروا مؤسسات الدولة لأغراضهم الخاصة . ومن هنا قيل أن نظام الحزب الواحد ليس نظاما ديموقراطيا ، لأن الحزب الذى يحكم يتحول إلى أداة فى يد رؤسائه الحاكمون أو على الأصح يتحول إلى حكومة . فلو كان حزبا واحدا وحاكما ، فإن الشعب ، والرأى العام فيه ، يفتقدان المؤسسات الشعبية لمواجهة استبداد الحاكمين وحزبهم . ومن هنا نعرف أن مصدر الديموقراطية التى تنسب إلى تعدد الأحزاب ليس هو الحزب الحاكم . ولكن الأحزاب التى لا تشترك فى الحكم . ونحن نعنى بطبيعة الحال الأحزاب التى يشكلها أعضاؤها بدون إذن أو قيود ولا نعنى الجماعات المصطنعة أحزابا ليكسب بها الحزب الحاكم ـ بدون وجه حق ـ شرف الانتماء إلى الديموقراطية . كما فعل بعض الحكام الذين وصل بهم الاستبداد بالناس حد احتقار عقولهم وتضليلهم بأساليب ساذجة من الأشكال الحزبية كما فعل ليوبولد سنجور الحاكم السابق للسنجال ، وكمال أتاتورك ديكتاتور تركيا الأسبق .
   فبعد عشر سنوات متصلة من حكم ليوبولد للسينجال حكما فرديا رأى أن يصطنع أحزابا متعددة . وكان الأسبق إلى ابتكار الفكرة المغرورة التى تقول أنه مهما تعددت الاتجاهات السياسية فهى إما يمين أو وسط أويسار . وهكذا أصدر سيادته قانونا دستوريا بإقامة ثلاثة أحزاب . الحزب الحر اليمينى وكلف أحد أصدقائه بتشكيله ، ثم الحزب الماركسى اليسارى وترك للماركسيين أمر تشكيله ثم حزب الوسط الاشتراكى وشكله هو تحت رئاسته .
وقبل سنجور كان كمال أتاتورك فى عام 1923 رئيسا لجمهورية تركيا ورئيسا " لحزب الشعب الجمهورى " وكان ثمة حزب معارض هو " الحزب الجمهورى التقدمى " يقاوم السلطة الفردية فصفاه كمال أتاتورك 1925 . بعدها بنحو عشر سنوات ( لست أدرى لماذا لا يبدأ الطغاة فى التفكير إلا بعد عشر سنوات ) رأى أن يصطنع حزبا معارضا ليستر عورة استبداده فأعلن بنفسه عن تأسيس الحزب المعارض فى حفل أقيم فى مدينة بالوفا وأسند رئاسته إلى أحد أصدقائه وهو فتحى بك. وكان أنشأ الحزب المعارض كما قالت وثائقه :" لمباشرة وظيفة النقد فى الدولة". فلما حاول الحزب المصطنع مباشرة وظيفته فى النقد لم يطق المستبد عليه صبرا وكان الأسبق إلى الفكرة الساذجة : تكوين فريق معارضة داخل حزبه هو .
   وكان طبيعيا أن تفشل كل تلك المحاولات فى ستر الاستبداد . لأن الأحزاب المصطنعة ليست أحزابا أصلا ، ومن هنا فنحن لا نعنيها عندما نتحدث عن أحزاب المعارضة كشرط للديموقراطية النيابية .
***
   10ـ وأخيرا ذلك الشعار الذى لا يمل الكثيرون من ترديده : إن الديموقراطية لا تقوم إلا بالرأى والرأى الآخر . والرأى الآخر لا يكون رأيا آخر إلا إذا كان مخالفا للرأى الأول . أما إذا كان الرأى الآخر تفسيرا أو تبريرا أو تأييدا أو صدى للرأى الأول فليس ثمة فى الحقيقة إلا رأى واحد هو الرأى الأول . وينهار ركن أصيل من أركان الديموقراطية . ولا يختلف الأمر استبدادا إذا ما تولى الرأى الأول تحديد المجال المسموح به للرأى الآخر ، كأن يقال مثلا أن القضايا التى يعتبرها الرأى الأول قومية لا يجوز للرأى الآخر أن يختلف فيها . لا يخفى على أحد هنا أن الرأى الأول قد اعتبر نفسه صاحب القضايا القومية وحده دون الرأى الآخر ، مع أن المفترض أن الأحزاب مؤسسات شعبية الإنتماء قومية الغاية . إنه مفترض فى كل الدول الديموقراطية ولكنه فى مصر بالذات مفروض بحكم القانون ، فعندما نقرأ فى القانون رقم 40 لسنة 1977 الخاص بنظام الأحزاب أنه لا يجوز قيام الحزب  فى مبادئه أو برامجه أو فى نشاطه أو فى إختيار قياداته أو أعضائه على أساس طبقى أو طائفى أو فئوى أو جغرافى (  المادة 3 فقرة 3 ) نعرف أنه قد فرض على الأحزاب أن تقوم فى مبادئها وبرامجها ونشاطها على أساس قومى أى أن تكون مشغولة أساسا بالقضايا القومية . فإذا قيل بعد ذلك أن على الأحزاب أن تتجنب مخالفة الرأى الأول فى المسائل القومية فإنه يعنى أن على الأحزاب أن تخرس . وعندما تخرس الأحزاب يفقد الرأى الأول أية فرصة لإدعاء الديموقراطية لأنه يفقد مصدر هذا الإدعاء . ويصبح الأمر أسوأ من هذا حين يرى أن على الرأى الآخر أن يكون موظفا لديه يقدم له الأفكار التى لا يعرفها والدراسات التى لا يستطيع القيام بها ، وحلول المشاكل التى لا تخطر على باله ، فإن أبى أو عجز نهره كما ينهر الرؤساء موظفيهم . وأمره بأن يخرس لأن النقد يكون للبناء لا للهدم . مع أن البناء المستقيم على أسس مائلة سينهدم حتى من تلقاء ذاته .
***
   11ـ الخلاصة ، أن مؤسسات الدولة ، أو دولة المؤسسات هى بحكم طبيعتها ووظيفتها وبما تملكه من قوانين ومحاكم وسجون وشرطة وقوى مسلحة جهاز قهر لا تنسب إليه الديموقراطية ، وفى مواجهتها وخارج مؤسساتها تنسب الديموقراطية إلى الشعب بالقدر الذى تتاح له ممارسة سيادته " غير المنكورة " على الدولة ومؤسساتها ، بأدوات وأساليب ومنظمات " شعبية " غير تابعة ولا خاضعة لمؤسسات الدولة . حينئذ يتوقف مصير الديموقراطية وجودا وعدما ، تقدما أو تراجعا ، على ميزان القوة النسبى ما بين مؤسسات الدولة من ناحية وبين مؤسسات الشعب من ناحية أخرى . حينما يختل هذا الميزان لصالح الدولة ومؤسساتها تنمو أنياب ومخالب وأشواك الاستبداد " تلقائيا " وإذا تساوت الكفتان ، أصبح لدى الشعب " هامش " ديموقراطى يغذى أمله فى المزيد من الديموقراطية من ناحية ويغرى الاستبداد بإلغائه من ناحية أخرى . وأصبح لدى دولة المؤسسات إمكانيات استبدادية تعمل على تقويتها من ناحية وتنزع إلى استعمالها من ناحية أخرى ، وهو توازن لا يمكن أن يدوم . لابد ، عاجلا أو آجلا ، أن يحسم الأمر لصالح الديموقراطية أو لصالح الديكتاتورية .
***
   12ـ نعتقد أن مصر تمر الآن بمرحلة التوازن هذه . نستطيع أن نقدم عليها عشرات الأدلة التشريعية والتطبيقية ولكن يكفينا صدق التحذير الذى أطلقه رئيس الدولة ودلالته التى أوضحناها من قبل .
   السؤال الآن هو : كيف يمكن أن نحول دون أن يختل ميزان القوة بين الدول ومؤسساتها وبين الشعب ومؤسساته ؟.. ليس هناك إلا حل واحد تمليه حقائق الموقف غير القابل للاستمرار بطبيعته . هذا الحل هو المبادرة بجسارة إلى حسم الموقف لصالح الشعب برفع كل القيود المفروضة على ممارسته الديموقراطية وإنشاء مؤسساته الكفيلة بردع أية أفكار مغامرة تدور فى أذهان أية مؤسسة من مؤسسات الدولة .
***
   13 ـ من المسئول تاريخيا عن القيام بهذه المبادرة ؟..
   المسئول ، فى هذه المرحلة ، هى مؤسسة الدولة التى أدركت الخطأ ونبهت إليه وحذرت منه : رئاسة الجمهورية . إنها لا تملك شرعية هذه المبادرة فقط ، بل أن حسم الموقف لصالح الشعب لن يتم سلميا إلا عن طريقها . ما الذى يمكن أن تفعله على وجه التحديد ؟ إن الإجابة الجادة على هذا السؤال تتطلب المعرفة الكاملة والدقيقة لما يدور داخل مؤسسات الدولة ، وهو غير متوفر لنا والجواب بدون علم كاف ودقيق رعونة أو إدعاء أو حذلقة لا نريد أن ننزلق إليها خاصة ونحن نتحدث عن موضوع على أكبر قدر من الجدية والخطر والخطورة . ..
   وإنما نسمح لأنفسنا بضرب مثل مما نعلمه علم اليقين :
   أولا : فى 10 فبراير 1977 استفتى الشعب فى شأن الأحزاب فوافق على أن: " حرية تكوين الأحزاب مكفولة طبقا لما ينص عليه القانون الخاص بإنشاء الأحزاب حال صدوره من السلطة التشريعية ".
   ثانيا : فى 21 مايو 1978 استفتى الشعب فى شأن الأحزاب مرة اخرى فوافق على أنه :" لا يجوز الانتماء إلى الأحزاب السياسية أو ممارسة أى نشاط سياسى (1) لكل من تسبب فى إفساد الحياة السياسية قبل ثورة 23 يوليو 1952 سواء كان ذلك بالاشتراك فى تقلد المناصب الوزارية منتميا إلى الأحزاب السياسية التى تولت الحكم حتى 23 يوليو 1952 أو بالاشتراك فى قيادة الأحزاب وإدارتها ذلك كله فيما عدا الحزب الوطنى والحزب الاشتراكى ( مصر الفتاة ) . (2) لكل من حكم بإدانته من محكمة الثورة ممن شكلوا مراكز قوى بعد ثورة 23 يوليو 1952 وأحيلوا إلى محكمة الثورة فى الجناية رقم 1 لسنة 1971 مكتب المدعى العام . وكذلك من حكم بإدانته فى إحدى الجرائم الخاصة بالمساس بطريقة غير مشروعة بالحريات الشخصية للمواطنين أو إيذائهم بدنيا أو معنويا . (3) كل من يثبت ضده أنه أتى أفعالا من شأنها إفساد الحياة السياسية فى البلاد أو تعريض الوحدة الوطنية أو السلام الإجتماعى سواء كان ذلك بالذات أو بالواسطة وسواء كان ذلك بصورة فردية أو من خلال تنظيم حزبى أو تنظيم معاد لنظام المجتمع ….الخ ".
   ثالثا : استفتى الشعب أخيرا يوم 20 أبريل 1979 فى شأن الأحزاب ..  فوافق على صيغة قطعية الدلالة تقول :" إطلاق حرية تكوين الأحزاب "..
   فهل يحتاج الأمر إلى أكثر من " حسن النية " ليعرف من يريد الاستدلال بالهامش الديموقراطي ما هو مخيف وخطير ، إن موافقة الشعب على " إطلاق حرية تكوين الأحزاب " تعنى إلغاء القيود التى رأى فرضها فى الاستفتاء السابق ، وتحريم فرض أية قيود بعد ذلك . هل يحتاج الأمر إلى عباقرة فى القانون ليعرف أن القيود التى فرضها قانون الأحزاب رقم 40 لسنة 1977 يوم 7/7/1977 تنفيذا للاستفتاء الأول قد أصبحت باطلة بمقتضى الاستفتاء الأخير .
   فلماذا الإبقاء على هذه القيود ؟ لماذا لا تلغى ؟..             
   قد يقال وما شأن رئيس الجمهورية بإبقاء أو إلغاء قانون صادر من مجلس الشعب ، يا سلام …. لقد ألغى رئيس الجمهورية فى حدود سلطته الدستورية القانون رقم 2 لسنة 1977 والقانون رقم 34 لسنة 1972 وبعض مواد القانون 95 لسنة 1980 بقرار واحد منه هو القرار رقم 194 لسنة 1983 . ثم إن لرئيس الجمهورية اقتراح القوانين . ثم إن رئيس الجمهورية قد إرتضى أن يكون رئيسا للحزب الحاكم صاحب الأغلبية فى مجلس الشعب … تدعيم المؤسسات الشعبية فى مواجهة مؤسسات الدولة لا يفتقد الوسيلة بل يفتقد الإرادة .
   ولله الأمر من قبل ومن بعد …،،
*****
15 مارس 1986