الخميس، 16 أغسطس 2018

قصة حياة مسلم


قصة حياة مسلم
الدكتور/ عصمت سيف الدولة

1ـ حينما يدور الحديث المرسل عما جاء به الإسلام من شرائع يلتفت المتحدثون الى نماذج العقوبات التى وردت فى القرآن جزاء على خرق قواعد الحدود. يلفت اليها أن بعضها مثل الجلد والرجم وقطع اليد، لم تعد اليوم من بين العقوبات التى تفرضها القوانين الوضعية. لسنا نريد أن نخوض فى هذا الان لانه يطول، ثم يتوقف على أية نظرية تقوم مشروعية الجزاء. وهى نظريات متعددة. يكفى أن ننبه الى أن نظرية الجزاء فى الاسلام لا تقوم على أساس الانتقام قال تعالى:" ولكم فى القصاص حياة "( البقرة : 179 ) ( الاحتفاظ للجرم بجزاء شخصى فى الاخرة ، واستبدال الدية بالعقوبة والتوبة والعفو ) بل هى ، مثل كل أحكام الاسلام، قائمة على ما يحقق مصالح البشر، أو حماية المصالح كما يقال فى فقه القانون الجزائى، وذلك بالزجر الكافى والمناسب اجتماعيا للمحافظة على قوة الالزام فى القواعد الآمرة أو الناهية وهى " الحدود " أى الفوارق بين الحلال والحرام، وان كان قد جرى اطلاق  كلمة الحدود مجازا على العقوبات. و اذا كان "لا اجتهاد فى الحدود"، فليس لأحد أن يبيح ما هو محرم، فان تقدير الجزاء الكافى والمناسب على خرق الحدود قابل للاجتهاد، وفيما يؤكد نفاذ القواعد ويحمى المصالح فى كل الظروف المتغيرة. من هنا فليس دقيقا فيما نرى، أن يقال ان عمر بن الخطاب قد عطل حد السرقة عام المجاعة. فما كان له أو لغيره أن يبيح ما حرم الله. ولكنه رأى فى ظروف معينة ان جزاء قطع اليد لا يؤدى غايته فى الزجر وحماية المال. ويدخل فى هذا كل ما اجتهد الأئمة فى إشتراطه للمسؤولية عن الجرائم فهى شروط متعلقة بايقاع الجزاء وليس بشرعية الفعل. هذا يكفى الآن حتى لا يغيب عن الانتباه أن الشرائع والقواعد و الآداب التى جاء بها الإسلام ليست مقصورة على الجرائم والمجرمين. بل هى تنظيم لعلاقات الناس وهم يمارسون حياتهم العادية السوية، فتربط بينهم وتحيلهم الى مجتمع إسلامي.
    لنأخذ مثلا من حياة مسلم سوىّ.
2ـ كان صاحبنا يتبع ما يهديه اليه "عقله ومصلحته وهواه وشهوته" ثم شهد بألا اله الا الله وأن محمدا عبده ورسوله، فأصبح مسلما: له على المسلمين حقوق المسلم وعليه للمسلمين واجبات المسلم. انه منذئذ لا يستطيع أن يتبع ما يهديه اليه "عقله ومصلحته وهواه وشهوته" وانما عليه أن يتبع "الشرائع والقواعد والآداب" التى جاء بها الاسلام. فان لم يفعل رده المسلمون الى ما يتفق مع الاسلام وأوقعوا به الجزاء الذى يردع غيره.
    كيف؟
    هداه"عقله ومصلحته وهواه وشهوته" الى أن "يعاشر" امرأة معينة وارتضت هى معاشرته على هدى عقلها ومصلحتها وهواها وشهوتها. لو تركا لما اهتديا اليه لتعاشرا. فيقو ل الاسلام لهما: لا. تعاشرا زواجا وليس سفاحا."محصنين غير مسافحين"(النساء: 24). فيقبلان الزواج. ولكن قبل ان يشرعا فيه يقدم لهم الإسلام قائمة بنساء موصوفات ليرى صاحبنا ما اذا كانت المرأة التى اختارها من بينهن أم لا. فان كانت من بينهن فلا زواج "ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء الا ما قد سلف، انه كان فاحشة ومقتا، وساء سبيلا. حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم وأخواتكم وعماتكم وخالاتكم وبنات الأخ وبنات الاخت وأمهاتكم اللاتى ارضعنكم وأخواتكم من الرضاعة وأمهات نسائكم وربائبكم اللاتى فى حجوركم من نسائكم اللاتى دخلتم بهن فان لم تكونوا دخلتم بهن فلا جناح عليكم، وحلائل أبنائكم الذين من أصلابكم وأن تجمعوا بين الأختين إلا ما قد سلف، ان الله كان غفورا رحيما. والمحصنات من النساء"(النساء: 22-24).

   ولقد يتحقق صاحبنا من أن المرأة التى اختارها وارتضته زوجا ليست من قائمة المحرمات، لانه هو نفسه كان قد تزوجها هى نفسها من قبل وطلقها ثلاث طلقات. وقد هداه "عقله ومصلحته وهواه وشهوته" الى ان يتزوجها مرة اخرى وقبلت هي. الاسلام يقول: لا. "فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره "(البقرة : 230) . فلا يتزوجها صاحبنا بصرف النظر عن عقله ومصلحته وهواه وشهوته.

   ولقد يضيق صاحبنا بالانتظار فيختار امرأة اخرى وترتضيه هى زوجا بعد أن يعرف من أمرها أنها كانت الى عهد قريب زوجا لغيره. فيتعجل الزواج فيقول الاسلام لا. لا تتعجل. ان كانت مطلقة فعليك أن تتأكد أولا من أنها غير حامل من زوجها السابق، ثم تتأكد ثانيا من انه انقضت على طلاقها ثلاثة اشهر وتعد الايام عدا "والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء، ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله فى أرحامهن " (البقرة: 228). فتأخذ صاحبنا الفرحة اذ أن من اختارها لم تكن مطلقة وإنما توفى عنها زوجها منذ أربعة أشهر ويهم بالزواج فيقول الاسلام: لا. ليس قبل عشرة أيام أخر. “والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا "(البقرة: 234).

   وينتظر صاحبنا عشرة أيام لا تنقص يوما واحدا. ثم قد يهم بها وتهم به، فيقول لهما الإسلام: ليس قبل العقد، لان الزواج ليس فعلا بل هو عقد وميثاق غليظ:"وأخذن منكم ميثاقا غليظا" (النساء: 21). وقد يسر لصاحبنا:"عقله ومصلحته وهواه وشهوته" بتساؤل: وما الفرق؟ ان الفرق الان أن العقد لا ينعقد الا برضاكما. نحن راضيان. لا. لابد من أن يشهر العقد ليعلم الناس انكما راضيان. ثم ان عليك أن تدفع لها مهرا."وآتوهن أجورهن بالمعروف"( النساء: 25) كم ؟ لا يهم. انه رمز الالتزام وليس ثمن بضاعة تشترى ثم ان العقد يلزمك انت بالنفقة:"الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض وبما أنفقوا من أموالهم "( النساء: 34 ) من مالك انت وليس من مالها هى :" فلا تأخذوا منه شيئا " ( النساء: 20 ) الا اذا رضيت هى " فان طبن لكم عن شئ منه نفسا فكلوه هنيئا مريئا "( النساء : 4 ) ثم انه قد تكون بينكما شروط غير ممنوعة. مثل؟ مثل أن تحتفظ هى لنفسها بحق فسخ الزواج. أما الفروق الأخرى فستعرفها فى مستقبل حياتكما الزوجية ان شاء الله.

   وينعقد العقد ويفرح العروسان ويشهران زواجهما بأن يدعوا الأهل والأصحاب إلى وليمة عامرة بكل  طعام وشراب اهتديا إلى انه يسر المدعوين "عقلا ومصلحة وهوى وشهوة" فلا يتركهما الإسلام الى ما اهتديا. اذ يراهما يكادان يسرفان إنفاقا فيأمرهما بعدم التبذير: "إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين" (الاسراء: 27)؛ او يكادان يقتران فينبههما الإسلام الى ان منع التبذير لا يعنى إباحة التقتير:"والذين اذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواما"(الفرقان: 67) " ولا تجعل يدك مغلولة الى عنقك ولا تبسطها كل البسط"(الإسراء: 29). فيهتديان ويولمان. ويراجع الإسلام قائمة الطعام والشراب خشية أن يكون"العقل والمصلحة والهوى والشهوة" قد دست فى الشراب خمرا (او مخدرات)." يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه"(المائدة: 90) أو دست فى الطعام مما حرم على المسلمين:" حرمت عليكم الميته والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به والمنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة وما أكل السبع الا ما ذكيتم وما ذبح على النصب " (المائدة: 3).
***
3ـ وتجرى الحياة بالزوجين على قاعدة المساواة بينهما:" ولهن مثل الذى عليهن بالمعروف " (البقرة: 228). والتعاون على ما فيه حفظ المودة والرحمة بينهما " ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة"(الروم: 21) "هن لباس لكم وأنتم لباس لهن"(البقرة: 187)، بدون عدوان " وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان"(المائدة: 2). ويترك لهما بعد ذلك أن يدبرا حياتهما معا على ما يرضيهما بدون شذوذ عما تجرى به أفضل التقاليد فى مجتمعهم." وعاشروهن بالمعروف"(النساء: 19).  ويحذر صاحبنا من نزوات "هواه وشهوته" " فان كرهتموهن فعسى أن تكرهوا شيئا ويجعل الله فيه خيرا كثيرا " (النساء: 19). فان اختلفا حتى كادا يفترقان فعلى أهلهما التدخل لإنهاء الخلف صلحا:" وان خفتم شقاق بينهما فابعثوا حكما من أهله وحكما من أهلها، إن يريدا إصلاحا يوفق الله بينهما، ان الله كان عليما خبيرا"(النساء: 35)؛ "وان امرأة خافت من بعلها نشوزا أو إعراضا فلا جناح عليهما أن يصلحا بينهما صلحا، والصلح خير"(النساء : 128 ) . ويحذر الإسلام الزوجة خاصة من أن تبالغ فيما تحمل زوجها من نفقات نزقا أو تظاهرا بثراء غير متحقق، اذ ليس عليه الا:" رزقهن وكسوتهن بالمعروف، لا تكلف نفس الا وسعها"(البقرة: 233). ثم يأمرهما معا بألا يصلا فيما ينفقانه الى حد التبذير:" ان المبذرين كانوا إخوان الشياطين، وكان الشيطان لربه كفورا "(الإسراء: 27). وفى هذه الحدود:" لينفق ذو سعة من سعته"(الطلاق: 7).
***
4ـ فإذا لم يستطيعا بعد كل هذا أن يعيشا معا فلا إكراه فى الزواج كما انه لا إكراه فى الدين." فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان"(البقرة :229). ويأمر الإسلام بالثقة فى صدق أسباب الافتراق اذا كانت الزوجة هى التى أرادته فيكون الفراق بائنا. ولكنه يحتاط ضد نزوات هوى الرجل فيأمر بأن " الطلاق مرتان"(البقرة: 229) فإذا أعاد اليه مرة ثالثة " فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره " (البقرة: 230). وللزوجة دائما حق إنهاء العلاقة الزوجية بالخلع، أو اذا احتفظت به فى العقد، أو اذا كان استمرار الزواج يسبب لها ضررا:" فامسكوهن بمعروف أو سرحوهن بمعروف، ولا تمسكوهن ضرارا لتعتدوا"(البقرة: 231).
***
5 ـ ولكن صاحبنا لا ينفصل عن زوجته لأنه لا يتبع مجرد ما هداه اليه "عقله ومصلحته وهواه وشهوته" حينما يتعارض مع الشرائع والقواعد والآداب التى جاء بها الإسلام منظمة للزواج وفيما بين الزوجين، بل يستمر وينجب بنين وبنات يتأدبون بآداب الإسلام التى قرنت بين الايمان بالله وعدم الشرك به وبين الاحسان بالوالدين:” لا تعبدون الا الله وبالوالدين احسانا"(البقرة: 83). " واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا وبالوالدين احسانا"(النساء: 36)." قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم ألا تشركوا به شيئا وبالوالدين إحسانا"(الأنعام: 151)." وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين احسانا، اما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما وقل لهما قولا كريما. واخفض لهما جناح الذل من الرحمة وقل رب ارحمهما كما ربيانى صغيرا " (الإسراء: 23و 24). ولكن فى حدود الإيمان بالله "ووصينا الإنسان بوالديه حسنا وان جاهداك لتشرك بى ما ليس لك به علم فلا تطعهما"(العنكبوت: 8).
   ولقد تشب لصاحبنا ابنة ويجئ اليه من يخطبها، فتقبل، ولكنه حين يتشاور مع زوجته يتفقان على إرجاء الزواج. فيقول هو حتى تكمل تعليمها، وتقول هي: ولتبقى تساعدنى فى المنزل فى غير أوقات الدراسة. ويتبعان ما هداهما اليه عقلهما ومصلحتهما، وتغيب عنهما نواميس الحياة التى يحجبها الحياء، فيردهما الاسلام الى ما غاب عنهما." ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء ان أردن تحصنا."  (النور: 33) فيفهم الزوجان ما أراد الله أن ينبه اليه. فيأذن الوالد وينعقد العقد ويبدأ تكوين اسرة جديدة طبقا لذات الشرائع والقواعد والآداب التى جاء بها الاسلام وحكمت حياة أسرة صاحبنا.
***
6ـ غير أنه ما تكاد الأسرة الجديدة تتكون حتى ينهدم ركن أسرة سابقة. فقد يجئ الخبر بوفاة والد صاحبنا، ويحزن صاحبنا هو وأقاربه ثم يجتمعون ليروا ماذا يفعلون بما ترك المتوفى من مال. ويكادون يقتسمونه على ما تهديهم اليه عقولهم ومصالحهم وأهواؤهم، ويدعى كل واحد بأنه قد أبر المتوفى أكثر من غيره، أو أن المتوفى كان يبره أكثر من الآخرين، ويحتج بعضهم بأنهم أشد حاجة الى المال من غيرهم، ويتساءل أحد الحاضرين عما يكون من أمر الصغير اليتيم ابن المتوفى ويكادون يتنازعون. فلا يتركهم الإسلام لعقولهم ومصالحهم وأهوائهم بل يقول لهم: أولا: لا يرث أحدكم شيئا قبل أن يستوفى غير الوارثين حقوقهم. اذ لا ميراث الا " من بعد وصية يوصى بها أو دين " (النساء : 12 ) ثانيا : أما بعد ذلك فدعكم الان من عقولكم ومصالحكم وأهوائكم التى لا تتفق أبدا واقتسموا المال الموروث طبقا لما يأتى :" يوصيكم الله فى أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين فان كن نساء فوق اثنتين فلهن ثلثا ما ترك وان كانت واحدة فلها النصف ، ولأبويه لكل واحد منهما السدس مما ترك ان كان له ولد ، فان لم يكن له ولد وورثه أبواه فلأمه الثلث ، فان كان له اخوة فلأمه السدس ، من بعد وصية يوصى بها أو دين ، آباؤكم وأبناؤكم ، لا تدرون أيهم أقرب لكم نفعا ، فريضة من الله ، إن الله كان عليما حكيما "( النساء : 11 )." ولكم نصف ما ترك أزواجكم ان لم يكن لهن ولد، فان كان لهن ولد فلكم الربع مما تركن، من بعد وصية يوصين بها أو دين، ولهن الربع مما تركتم ان لم يكن لكم ولد، فان كان لكم ولد فلهن الثمن مما تركتم من بعد وصية توصون بها أو دين، وان كان رجل يورث كلالة، أو امرأة وله أخ أو أخت فلكل واحد منهما السدس، فان كانوا أكثر من ذلك فهم شركاء فى الثلث، من بعد وصية يوصى بها أو دين غير مضار، وصية من الله، والله عليم حليم"(النساء: 12). "يستفتونك قل الله يفتيكم فى الكلالة ان امروء هلك ليس له ولد وله اخت فلها نصف ما ترك، وهو يرثها ان لم يكن لها ولد، فان كانتا اثنتين فلهما الثلثان مما ترك، وان كانوا اخوة رجالا ونساء فللذكر مثل حظ الانثيين، يبين الله لكم أن تضلوا، والله بكل شئ عليم "(النساء: 176) فيأخذ كل صاحب حق حقه. يمر ذلك الحدث بسلام دون ان يكون سببا فى الخلف أو الفرقة أو النزاع بين الأقرباء. فحتى الذين لا يصيبهم من مال المتوفى شيئا لا يتهمون من يصيبون منه بأن قد ظلموهم. ذلك لأن شرائع الاسلام لا يضعها أحد منهم طبقا لما يهديه اليه " عقله ومصلحته وهواه " ولا يفرضها على غيره. ولو يتركون لعقولهم ومصالحهم وأهوائهم يتهم بعضهم بعضا. ولو يستبدلون بهذا النظام نظاما موضوعا يضعه الأقوى ويفرضه على الآخرين، قد يبدلون فيه من حين الى حين تبعا لتقلب مصالحهم وأهوائهم وقوتهم.
***
7ـ ثم ان الأقرباء الذين لا يصيبون من التركة ميراثا لا يحرمون منها إن كانوا محتاجين؛ لا هم ولا أولئك الذين لا يخفى عليهم ما راب فى ثروة صاحبنا من بعد الميراث بحكم الجيرة. فصاحبنا مسلم وقد أمر بما أمر به المسلمون." واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا وبالوالدين احسانا وبذى القربى واليتامى والمساكين والجار ذى القربى والجار الجنب والصاحب بالجنب وابن السبيل وما ملكت إيمانكم، ان الله لا يحب من كان مختالا فخورا. الذين يبخلون ويأمرون الناس بالبخل ويكتمون ما آتاهم الله من فضله واعتدنا للكافرين عذابا مهينا " (النساء: 36، 37) ذلك لأن فى مال المسلم القادر حقا لمن حرم منه وسأله، حتى لو لم يكن من ذوي القربى" وفى أموالهم حق للسائل والمحروم " (الذاريات: 19). على أى حال فان ذوي القربى الذين لا يصيبون شيئا من التركة ميراثا ويحضرون قسمتها فيما بين الورثة يصيبون منها ما يرضيهم قل أو كثر، نفاذا للشرائع والقواعد والآداب التى جاء بها الاسلام." للرجال نصيب مما ترك الوالدان والأقربون، وللنساء نصيب مما ترك الوالدان والأقربون مما قل منه أو كثر، نصيبا مفروضا. واذا حضر القسمة أولو القربى واليتامى والمساكين فارزقوهم منه وقولوا لهم قولا معروفا"(النساء: 7، 8).
***
8ـ ويخرج كل هذا من نصيب صاحبنا. أما نصيب أخيه القاصر اليتيم الذي وضع تحت وصايته فقد حرمت عليه الشرائع والقواعد والآداب التى جاء بها الاسلام المساس به قل أو كثر. بل عليه أن يديره لحساب صاحبه أحسن ما تكون الادارة وأن يرده اليه حينما يبلغ الرشد كاملا غير منقوص. " ولا تقربوا مال اليتيم الا بالتى هى أحسن حتى يبلغ أشده، وأوفوا بالعهد، ان العهد كان مسؤولا"(الاسراء: 34)، بعد أن يقدم اليه حسابا عن كيف تسلم المال، وكيف أداره وكيف تطور زيادة أو نقصا بين يديه وما اذا كان قد اقتطع منه اجر ادارة أم لا.ذلك لأن شرائع وقواعد وآداب الاسلام لا تكافئ مدير مال اليتيم بأجر الا أن يكون فقيرا." وابتلوا اليتامى حتى اذا بلغوا النكاح فان آنستم منهم رشدا فادفعوا اليهم أموالهم ولا تأكلوها إسرافا وبدارا أن يكبروا، ومن كان غنيا فليستعفف ومن كان فقيرا فليأكل بالمعروف، فاذا دفعتم اليهم اموالهم فأشهدوا عليهم، وكفى بالله حسيبا". (النساء: 6)
***
9ـ ذلك ما يكن من أمر صاحبنا فى علاقاته بزوجه وبنيه وأقاربه وما يتداول فيما بينهم من مال، مهرا أو ميراثا أو وصية أو إحسانا، أى علاقاته بأفراد أسرته والاقربين منه قرابة عصب أو قرابة رحم أو قرابة جيرة.

   أما العلاقة مع الاخرين، مع الناس، فهى علاقة عقود (اتفاقات ارادية بين الراشدين بدون اكراه أوغش). ما هو محل أو موضوع أو مضمون تلك العقود؟ يختلف الامر فى الزمان والمكان، فلا نستطيع ان نتابع علاقات صاحبنا مع غيره الا أن نعرف فى أى مجتمع يعيش وفى أى زمان كان مجتمعه ولما كانت الشرائع والقواعد والآداب التى جاء بها الاسلام غير مقصورة على مجتمع معين أو زمان معين فانها لم تأت مفصلة الأحكام، ولكنها ـ مع ذلك ـ لم تترك الناس لما تهديهم اليه عقولهم ومصالحهم واهواؤهم وشهواتهم، بل فرضت قواعد من النظام العام يكون على صاحبنا أن يلتزمها أيً كان.
    فمصدر الرزق هو الطبيعة: الأرض والسماء والبحار والانعام .. الخ:" هو الذى خلق لكم ما فى الارض جميعا"(البقرة : 29 ) . " ألم تروا أن الله سخر لكم مافى السماوات وما فى الارض " (لقمان: 20). " يا أيها الذين آمنوا كلوا مما فى الارض حلالا طيبا" (البقرة: 168). " لقد مكناكم فى الارض وجعلنا لكم فيها معايش"(الاعراف: 10)  .. الخ.
   أما سبب الرزق فهو وحده العمل." وان ليس للانسان الا ما سعى"(النجم: 39). " وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون"(التوبة: 105). ولقد حرم الاسلام ثلاثة أنواع من الكسب تأتى جميعا بدون أن يخالطها عمل. الاول الربا:" أحل الله البيع وحرم الربا"(البقرة: 275). والثانى المقامرة." يا أيها الذين آمنوا انما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه"(المائدة: 90) والثالث المال غير المستحق بصرف النظر عن سبب عدم استحقاقه." ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل"(البقرة: 188). أما الميراث فهو فائض تراكم عمل المتوفى بعد وفاته يؤول الى من كان يعلم أنه آيل إليهم فكان ـ على وجه ـ يعمل لهم.

  على صاحبنا بعد ذلك أن يرتزق بعمله ما يشاء. عمله الحالي، أو الناتج المتراكم من عمله السابق وأن يتملكه. ولما لم يكن صاحبنا ولا غيره بقادر على أن ينتج وحده كل ما يحتاج الي استهلاكه، فانه يتبادل الخدمات والمنتجات مع غيره من العاملين والمنتجين. وكل تبادل عقد. وكل وعد بالتبادل عقد. وكل تبرع عقد. وكل فسخ للعقد هو عقد. وكل وفاء بعقد هو عقد. وهكذا يكتشف صاحبنا أن حياته كلها بكل ما فيها من علاقات مع الآخرين هى سلسلة لانهائية من العقود المتجددة أبدا وأنها ليست الا حلقة من سلسلة العلاقات الاجتماعية التى تشد الناس بعضهم الى بعض حتى تحيلهم مجتمعا بعد أن كانوا أفرادا، وتقيد ـ فى الوقت ذاته ـ بعضهم لحساب بعض، فتحيل علاقاتهم نظاما بعد أن كانت أهواء. وتجعل حياة كل واحد منهم متوقفة على حياة الآخرين، فتحول دون " الفردية " التى تريد أن تخلى بين الفرد وبين ما يهديه اليه " عقله ومصلحته وأهواؤه ونزواته ".

    يتذكر صاحبنا كل هذا كلما قضم لقمة من خبز حصل عليه وفاء بعقد؛ من تاجر أعد له مكانا للبيع وفاء بعقد؛ حمله اليه حامل وفاء بعقد؛ بعد أن خبزه خباز وفاء بعقد؛ وعجنه عجان وفاء بعقد؛ وطحنه طحان وفاء بعقد؛ فى مطحنة يعمل فيها كل عامل وفاء بعقد، ويديرها مدير وفاء بعقد، ويحصل أجور الطحن فيها صراف بعقد، ويحمل الحب اليها ناقل وفاء بعقد، وزرعه زارع وفاء بعقد، وحرسه حارس وفاء بعقد، فى أرض استغلها وفاء بعقد، ليحصل من وراء ذلك على مال يوفى منه عقد شراء لقمة من خبز يقضمها. وما كان للاول أو للأخير أن يقضم لقمة من خبز حين يجوع، أو يشرب شربة ماء حين يعطش، أو يلبس، أو يسكن، او يطبب أو يداوى، أو يعلم أو يتعلم، أو يخترع أو يصنع، أو يستهلك، أو حتى ينام آمنا، لو لم يكن مئات الالوف من الناس الذين لا يعرفهم كافة قد أوفوا بعقود قد عقدوها. فتكتفى الشرائع والقواعد والاداب التى جاء بها الاسلام بأن تأمر بالمحافظة على سلامة هذه السلسلة اللانهائية من العلاقات الاجتماعية التى تنظم الافراد فتحيلهم مجتمعا منظما فتأمر المؤمنين جميعا أمرا:" يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود"(المائدة :1). وتزيد فتأمر بما يحول دون اعاقة الوفاء من نسيان أو مماطلة أو جشع فتأمر بالكتابة فى الديون المؤجلة:" اذا تداينتم بدين الى أجل مسمى فاكتبوه"(البقرة: 282). وتأمر بالرهن الحيازى فى المنقول لضمان الوفاء فى حالة غياب المدين:" وان كنتم على سفر ولم تجدوا كتبا فرهان مقبوضة"(البقرة: 283) وتأمر بأن يكون البيع مشهودا:" وأشهدوا اذا تبايعتم"(البقرة: 282).
***
10- نكتفي بما تقدم مثلا من حياة مسلم، تجرى هادئة بدون أن يتعرض خلالها للعقوبات الجزائية. ولو شئنا لتتبعنا حتى يقضى توجهه مجموعة كثيفة من الشرائع والقواعد والآداب التى جاء بها الاسلام. ولكن هذا يطول. ولقد رأينا كيف أن كل ماضربناه مثلا من الشرائع والقواعد والاداب التى جاء بها الاسلام قد جاءت فى صيغ آمره أو ناهية أو مكملة. نعنى بالمكملة ما تنظم أمرا اذا وقع بارادة صاحبه، ولكنها تترك أمر وقوعه أو عدم وقوعه لاختيار المسلمين. كما رأينا أن كل تلك الشرائع والقواعد والاداب واردة على علاقة اجتماعية، ثنائية أو جماعية، وبالتالى فان أمر التزامها أو اهدارها ليس متروكا لاختيار أحد اطرافها، فردا كان أو جماعة على ماتهديهم اليه " عقولهم ومصالحهم وأهواؤهم ونزعاتهم ". كلا. ان يلتزموها يستوقفهم شركاؤهم فيما يتعلق بهم من مصالح؛ وان يهدروها يردهم شركاؤهم فيها الى التزامها ولو قتالا. فتنبثق " السلطة العامة " كضرورة اجتماعية لحراسة النظام وفرض نفاذ قواعده ولو بالإكراه. من هنا نعرف ان التكليف الصريح باقامة سلطة عامة تزيد غير بليغ مادام الامر قد جاء بأسبابها الموضوعية.

   أما كيف تقوم هذه السلطة العامة، فيتوقف جوابه على ماهية كل مجتمع وظروف الناس فيه المختلفة مكانا ، المتطورة زمانا . فيكتفى الاسلام بما هو صالح للمحافظة على قاعدة المساواة بين الناس فى أى مجتمع ، فى أى مكان ، وفى أى زمان : الشورى: " وأمرهم شورى بينهم "( الشورى : 38 ) . والعدل " واذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل"(النساء: 58). وكلاهما " نظام"، لهذا جاء التكليف به خطابا للجماعة. 
  فالشورى نظام اجرائى لاتخاذ متعددين متساويين قرارات موحدة. فهى غير مقصورة على تبادل العلم بمشكلة مشتركة، ولا على تبادل ا لمعرفة بحلولها المحتملة وأساليب تحقيقها، ولكن هى فى النهاية تعيين القرار الذى يرى كل مشارك أنه الحل الصحيح للمشكلة المعروضة وذلك " بالاشارة " به على الاخرين. والامر بالشورى قطعى الدلالة على تحريم الاستبداد من ناحية، ووجوب الشورى من ناحية أخرى، فى كل أمر، أيا كان مضمونه، يخص جماعة، أيا كان عددهم. فيصبح اسناده اليهم فهو " أمرهم " جميعا وليس أمر أحد غيرهم. أما القرار الذى تسفر عنه الشورى فهو ملزم لكافة الشركاء فى الامر، للاسباب التى تحدثنا عنها من قبل (فقرة 77). فان كان القرار مما لا ينهض به كل أصحابه، دخل اختيار من يتولى القيام على تنفيذه فى نطاق الشورى؛ فان اختاروه، ثم قبل، أصبح ولى ذاك الامر تفويضا من أصحابه ملزما بقرارهم وذلك من ناحيتين: الاولى، ان مصدر شرعية ولايته تفويض محدد المضمون بالقرار ذاته، فان خالفه فقد شرعية الولاية. الثانية، ان مخالفته ما اسفرت عنه الشورى رجوع الى الاستبداد المحرم أصلا. فان التزم حدود التفويض، ومادام ملتزما، وجبت طاعته:" أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولى الامر منكم " (النساء: 59). اذن هى طاعة الجماعة، والا كان للجماعة أن تخلعه. أما كيف؟ ومتى؟ وأين؟ ولماذا يتشاورون؟ فمتروك لهم، يلتمسون أصلح أسبابه فى زمانهم ومكانهم مع جواز التفويض السابق والاجازة اللاحقة، وفى هذا يكون أمرهم شورى بينهم أيضا. ان الالتفات الى جواز التفويض السابق والاجازة اللاحقة يسهل فهم كيف كانت الشورى تتم على درجتين أو أكثر فى الامور المشتركة بين التجمعات القبلية الى أن تصل الى متحدث باسم القبيلة، وكيف كانت تتم بين عدد محدود فى مرحلتها الاخيرة وكيف كانت الثقة فى القائد، والمبادرة الى تنفيذ رأيه تفويضا سابقا أو اجازة لاحقة
   والعدل نظام اجرائى لبيان وجه الحق بين المختلفين فيه طبقا للقواعد المنظمة لعلاقات الناس قبل الاختلاف وذلك بما يسمى الحكم (القضاء)، ثم تنفيذ الأثر الذى ترتبه تلك القواعد فى محله ولو بالإكراه.
  وبدهى ان كل هذا، شورى وعدلا، يجرى ويدور فى الحياة الدنيا. فالناس لا يتشاورون الا فى أمور الحياة. والناس لا يحكمون بين الناس الا فى الحياة. فكلاهما، الشورى والعدل، نظام الحياة الدنيا. ثم انهما محددان بقواعد النظام العام الإسلامي، فان اختلف الناس فيما اذا كانا، شكلا أو موضوعا ـ يتفقان أم لا يتفقان ـ وقواعد النظام العام الاسلامى، كان فرضا عليهم اجمعين أن يرجعوا الى تلك القواعد فى القرآن فثمة حكم الله:" وما اختلفتم فيه من شئ فحكمه الى الله " (الشورى: 10) والناس لا يختلفون فى شئ الا فى الحياة الدنيا.
*****




الأحد، 10 ديسمبر 2017

هزيمة الجيش الرابع الامريكى

هزيمة الجيش الرابع الامريكى
الدكتور/ عصمت سيف الدولة

يحيا الارهاب :
1-      فى الساعة التاسعة من صباح يوم الجمعة 3 يناير 1986 هاجم أربعة من المقاتلين العرب مجموعة من المتجمعين فى مطار روما فى انتظار النداء على بدء رحلة طائرة " العال " الصهيونية لتقلهم الى فلسطين المحتلة ، فى الوقت ذاته هاجم ثلاثة من المقاتلين العرب مجموعة من المتجمعين فى مطار فيينا فى انتظار النداء على بدء الرحلة رقم 364 لطائرة العال الصهيونية لتقلهم الى فلسطين المحتلة . وأسفر الهجومان وما صاحبه من اشتباك واشتراك رجال الأمن فى المطارين عن مقتل ثمانية اشخاص واصابة 121 آخرين .
     من كان طرفا المعركة ؟
   طبقا لمخلفات المعركة ، كانت بين مقاتلين من أجل تحرير فلسطين والصهاينة . اذ عثر رجال الأمن فى مطار فيينا على رسالة موجهة الى " الصهاينة " وموقعة من " شهداء فلسطين " . وطبقا لما أسفرت عنه من قتلى ومصابين كانت بين المقاتلين العرب والصهاينة . فقد استشهد أربعة من المقاتلين العرب . ولم يقتل أو يصب من غير الصهاينة الا خمسة من الامريكيين وثلاثة يونانيين ومكسيكيان وعربى من الجزائر . أما الباقون فجميعهم من الصهاينة . وطبقا للسلطات الايطالية والنمساوية تمت العمليتان ضمن نطاق الحرب المستمرة بين العرب والصهاينة . … وطبقا لما أعلنه آفى بازنر المتحدث باسم وزارة الخارجية فى المؤسسة الصهيونية المسماة " اسرائيل " ان ما تم فى روما و فيينا هو هجوم ضدهم وسيردون عليه "فى أى وقت فى أى مكان "..
   فى أى مكان ؟
.. نعم . فطبقا للواقع الذى فرضته الصهيونية على العرب ، تتم المواجهة بينهما فى أى مكان . فى الأرض المحتلة فلسطين وهذا مفهوم. وخارج الارض المحتلة  لأن الصهاينة قد طردوا الشعب العربى من وطنه فهو مشرد " فى أى مكان " ( الالتزام بعدم قتال المغتصبين  الا فى داخل الأرض المغتصبة هو تأمين للصهاينة ضد العقاب على التشريد وتأمين للمشردين ضد مسئولية الاشتراك فى القتال ) . ولأن الصهيونية منظمة عالمية منتشرة "فى أى مكان "( الالتزام بعدم مقاتلة الصهاينة حيث يوجدون من الارض هو تأمين لنشاطهم فى دعم دولتهم فى الأرض المغتصبة ) ولأن هيئة الامم المتحدة وصفت الصهيونية بأنها حركة عنصرية ودعت العالم كله لمحاربة الحركات الصهيونية " فى أى مكان " ، ولأن الجمعية العامة لهيئة الأمم المتحدة أقرت للشعوب المحتلة والمضطهدة بحقها فى أن تقاتل من أجل تحرير أوطانها " فى أى مكان "…
   بأية وسيلة من وسائل القتال ؟
   نعم .
   الجمعية العامة لهيئة الامم المتحدة خولت المقاتلين من أجل التحرر الوطنى ضد الاستعمار والعنصرية حق استعمال " كافة الوسائل المتاحة لهم " ( هذا هو التعبير الذى استعملته الهيئة فى قراراتها حرفيا ) وبالتالى أصبح مشروعا دوليا أن يهاجم المقاتلون من أجل تحرير فلسطين ، المغتصبين الصهاينة بأية وسيلة من أول الكلمات الى آخر الرشاشات ..
   وما ذنب الأبرياء ؟…
 كل الاسئلة يمكن الرد عليها بهدوء الا هذا السؤال. انه ليس سؤالا استفزازيا فقط بل هو مجرد من أى صلة بالاخلاق . انه سؤال يثير الاشمئزاز الى حد الرغبة البيولوجية فى القئ . سؤال مقرف لأنه جبان ومنافق . أباد الامريكيون مئات الألوف من الشيوخ والرجال والنساء والأطفال والكائنات الحية جميعا " حرقا " فى هيروشيما ونجازاكى فى لحظة واحدة . فمن ذا الذى يتحدث عن البراءة والأبرياء . دمر الأوربيون والامريكيون فى حربهم البشعة عام 1939-1945 آلاف المدن بسكانها ، والمصانع بعمالها ، وأبادوا مائة مليون من الشيوخ والرجال والنساء والأطفال فمن ذا الذى يتحدث عن البراءة والأبرياء . ويبددون جزءا كبيرا من ثروات شعوبهم ليخزنوا أسلحة تكفى لافناء البشرية عدة مرات فمن ذا الذى يتحدث عن البراءة والأبرياء . ويتفننون فى اختراع الأسلحة الكيماوية والميكروبية والسموم المهلكة لمخلوقات فى البر والبحر والجو بما فيها الانسان فمن ذا الذى يتحدث عن البراءة والأبرياء . واغتصبوا فلسطين عنوة . وقتلوا الشيوخ والرجال والنساء والأطفال ومزقوا الأجنة فى الأرحام فمن ذا الذى يتحدث عن البراءة والابرياء . وقتلوا الشيوخ والرجال وهتكوا الأعراض ومزقوا جثث الأطفال  فى صابرا وشاتيلا فمن ذا الذى يتحدث عن البراءة والابرياء . لقد علمتنا حضارتنا الحرب النبيلة  التى لا تصيب الا المحاربين ، وعلمتنا حضارتهم القذرة التى تهلك الملايين فمن ذا الذى يتحدث عن البراءة والأبرياء . الا الجبناء المنافقون الأذلاء يتشدقون بأطهر الكلمات وأكثرها براءة وهم يواجهون فى كل مكان وفى كل يوم حرب ابادة البشر التى تشنها أكثر الدول نجاسة واجراما ؟..
   كفى جبنا ونفاقا . مازلنا نجتنب القتال الوحشى حتى قتلوا آباءنا وأمهاتنا وأطفالنا وأقاموا على جثثهم دولة المجرمين . كفى جبنا ونفاقا فقد قتلهم الصهاينة وجلدوا قادتهم فاعترفوا لهم بدولة على أرض اغتصبوها بالاجرام واعترفوا للمجرمين الصهاينة بأنهم حكام دولة ويستقبلونهم استقبال الذين "يخافون ولا يختشون " . ان المسكنة لن تجديكم شيئا ، وان تقبلوا أن تكونوا مستضعفين فى الأرض فقد وعدكم الله نار جهنم . فلنقاتل فى كل مكان وبكل سلاح حتى نطهر الارض ممن حولوا الحروب العسكرية الى مجازر بشرية .
   والى المعتدين نعيد ماجاء فى رسالة فيينا :
" كما انكم اغتصبتم وطننا ، وانتهكتم شرفنا ، وطردتم شعبنا فاننا سندمر كل شئ حتى اطفالكم لتذوقوا احزان أطفالنا . ستدفعون مقابل ما سفحتم من دموعنا . لقد بدأت الحرب "
. أما للمنافقين فنقول : ان كنتم تحسبون أن وصفكم القتال من أجل تحرير فلسطين بأنه " ارهاب " سيرهب المقاتلين فينكصون عن قتال الذين قاتلوهم وأخرجوهم من ديارهم فها نحن فى مواجهتكم نهتف ، اذن ، " فليحيا الأرهاب"..
   ثم نقول لكم : العبوا غيرها ولا تقرفونا ..
***

انها الحرب الثالثة

2-      ومع ذلك فليس ثمة ارهاب من جانب ولا ارهاب متبادل بل هى الحرب الثالثة باسلوب عصرها . قد تسمى فى التاريخ المقبل انها كانت " حرب الارهاب " كما يقال "حرب البسوس "، و"حرب المائة عام " الا أن حقيقتها أنها حرب اعلنت على المستوى العالمى منذ عامين . فلقد كانت الحرب العالمية الثالثة متوقعة من نهاية الحرب العالمية الثانية .كان متوقعا أن تكون حربا  ذرية الى أن تعادلت القوة الذرية أو تفوقت على ما تملكه الولايات المتحدة الامريكية فحال التوازن الذرى دون أن تكون الذرة سلاحها فتأجلت . وعادت الولايات المتحدة الامريكية الى الحروب التقليدية التى لم تنقطع منذ نهاية الحرب العالمية الثانية واستطاعت فى ظلها أن تفرض هيمنتها على أغلب دول العالم بالقوة المسلحة وبقوة الاقتصاد الذى تغذيه المتاجرة فى الأسلحة وبسلاح أكثر فتكا من أى سلاح هو عجز الشعوب المقهورة عن المقاومة بالقوة نتيجة عجزها عن تحمل تكلفة اعداد الجيوش المتكافئة تسليحا . وهكذا تعيش كل الشعوب والأمم فى كل أنحاء الأرض – منذ الحرب العالمية الثانية – كمواطنين من الدرجة الثانية أو دونها حتى فى أوطانهم ، بينما يحظى بحق المواطنة الكاملة شعبان أو ثلاثة ، هم اعضاء نادى السادة لأنهم أصحاب القوة القاهرة .
وما كان يمكن أن يستمر هذا الاذلال العالمى لأغلبية الأمم والشعوب . كان لابد من اعادة المساواة بين البشر بتجريد المتسلطين من قوة القهر . هذا هو السبب الموضوعى الذى جعل الحرب العالمية الثالثة متوقعة . الشئ الذى كان مجهولا هو متى وكيف ومن الذى يشعلها أولا . وفى سبيل الأجابة على هذه الاسئلة لم تكف الدول القادرة  القاهرة وعلى رأسها  الولايات المتحدة الامريكية عن ابتكار الاسلحة ، وشن حروب يقال لها محدودة لمجرد اختبار فاعليتها ، وتحولت الأرض الى كوكب مسلح برا وجوا وبحرا ، ليلا ونهارا ، وأصبح التجسس علنيا بواسطة الاقمار الصناعية وأدوات الاستشعار والتصنت بعيدة المدى .. الخ .. ولم تقم الحرب العالمية الثالثة التى تتوقعها وتعد لها كل القوى فى العالم .
   الى أن حدث فى بيروت أن شابين عربيين مجهولين ، لا يملك كل منهم الا قضيته وشجاعته وسيارة ملغومة. يدخلان معركة قصيرة ضد القوات الامريكية البرية والبحرية والجوية فى لبنان ، فيهزمان تلك القوات وتضطر الى الانسحاب. فيلتفت العالم كله . وعلى رأسه الدولة المهزومة فى موقعة بيروت الى القوة العائدة من الماضى؛ قوة الفرسان والفروسية، قوة الأفراد المسلح كل منهم بقضية  وشجاعة وأبسط أدوات التدمير . ويتذكرون  تلك المعارك التى دارت بهذا الاسلوب منذ بضع سنين فى الطائرات والسيارات والمنازل  التى هَزَم فيها أفراد لا يملكون الا قضية وشجاعة، أعتى الدول وأجبروها على أن تنفذ ارادتهم . فتجمعت  كل هذه الخبرة لتسقط القنابل الذرية والطائرات والدبابات والمدافع والجيوش من حلبات الحرب القادمة: الحرب العالمية الثالثة .
   وكان أول من أدرك هذا وأعلن هذه الحرب الولايات المتحدة الامريكية .

3-      فقد نشرت الصحف يوم 16 ابريل 1984 خبرا يقول ان الرئيس الامريكى رونالد ريجان قد أصدر تعليمات بشن غارات انتقامية ضد الجماعات الإرهابية فى خارج الولايات المتحدة الأمريكية وتوجيه ضربات وقائية اليها باستخدام القوة قبل أن تقع أية أحداث وأن هذه التعليمات قد جاءت كرد فعل للهجوم الانتحارى الذى تعرضت له قيادة قوات مشاة الاسطول الامريكى فى بيروت فى اكتوبر الماضى . وقالت الصحف ان تلك التعليمات تتضمن تشكيل وتدريب فصائل شبه عسكرية تابعة لوكالة المخابرات المركزية ( سى .أى . ايه) ولمكتب التحقيقات الفيدرالى الأمريكى ( مباحث أمن الدولة ) ووحدات كوماندوز تابعة لوزارة الدفاع الامريكية ( قوات مسلحة ) وستزود بقائمة  بمواقع الارهابيين فى العالم من أجل التحرك بسرعة لتوجيه ضربات اجهاض اليها أو شن هجمات انتقامية ضدها .
***
4-      هذا هو الخبر الذى أعلن يومئذ ، ليس تعبيرا عن نوايا  تهديدية ، ولكن اعلانا عن بدء تنفيذ مخططات سبقت دراستها وتجهيزها للتنفيذ . ذلك لأن رؤساء الدول الكبرى مثل الولايات المتحدة الامريكية لا يصدرون أوامر لدراسة امكانية تنفيذها ، بل يصدرونها للتنفيذ بعد أن تكون كل عناصر التحضير لها قد انتهت وأصبحت قابلة للتنفيذ الفعلى .
   اذن فان الولايات المتحدة الأمريكية قد انتهت منذ أوائل عام 1984 من تكوين قوات خاصة أو " جيشا رابعا " بالاضافة الى الجيوش البرية والبحرية والجوية تتوافر لها عناصر الخفاء والسرية والتمويه على طريقة المخابرات المركزية الامريكية . والكفاءة القتالية على أعلى مستوى فى القوات المسلحة الأمريكية . وأصدرت اليها الأوامر بأن تغادر الولايات المتحدة الأمريكية الى خارجها بدون أن تسمى جهة معينة الى " أى مكان " فى الأرض فى أية دولة لتوجيه ضربات وقائية باستخدام القوة الخفية .
   اما الضربات الوقائية للاجهاض فتعنى تصفية القوى المعادية قبل بدء تنفيذ أى نشاط هجومى . ومعنى ذلك أن الهوية " الإرهابية " لجماعة ما لن تتحدد طبقا لممارسة فعلية أيا كان قدرها ، بل تشمل الجماعات التى تدين بمبادئ أو تتبنى سياسات أو تروج أفكارا أو تلتقى فى أحزاب أو منظمات تعتبرها الولايات المتحدة الامريكية مبادئ وسياسات وأفكارا ارهابية أو تؤدى الى الارهاب قياسا على مبادئ وسياسة وأفكار الحكومة الامريكية ذاتها . وبالتالى فان الجماعات المستهدفة ليست معينة على سبيل الحصر جغرافيا فقد تكون فى أية دولة وقد تنتشر افرادا فى أكثر من دولة ، وليست معينة على سبيل الحصر زمنيا فهى ما تعتبرها الحكومة الامريكية ذاتها ارهابية الآن أو ما تعتبرها ارهابية فى المستقبل قياسا على ما يحدث من تغيير مبادئ وسياسة وافكار الحكومة الامريكية ذاتها فى المستقبل .
   صحيح أن الخبر المنشور يشير الى قوى الثورة الوطنية فى لبنان العربى ، وصحيح أن الولايات المتحدة لم تكف منذ سنين عن وصف مقاتلى وكوادر وقادة الثورة الفلسطينية بأنهم ارهابيون وهو ما يعنى أن الحرب التى اعلنتها أمريكا قد اعلنت ضد العرب أولا ولكن هذا لا يعنى أننا نحن المستهدفون وحدنا فى مكاننا من وطننا العربى بل سيضاف الينا أو قد اضيف فعلا ، كل الأحرار وكل الثوار فى العالم كله. الذين ترشحهم افكارهم وأهدافهم ليكونوا ارهابيين فى المستقبل طبقا لمقاييس امريكا . وسيضاف الى هؤلاء أو قد اضيف اليهم ، كل الفلاسفة والكتاب والفنانين والصحفيين والطلاب الذين يؤيدون ثورات التحرر الوطنى ويعادون المبادئ والسياسات والافكار الامريكية لانهم قياسا على تلك المبادئ والسياسات والأفكار شركاء بالتحريض والمساعدة مع الارهابيين . وما لم تجهض أفكارهم من الآن ستولد ارهابيين فى المستقبل . ولا تجهض أفكارهم الا بقتلهم .
ولست أشك لحظة واحدة فى أن كل الحكومات الجادة فى دول العالم قد بدأت منذ 16 ايريل 1984 تدرس على أعلى مستوى قيادى مدنى وعسكرى وتضع خططا قتالية معقدة وتنشئ مراكز تدريب سرية، وتجند افرادا مختارين طبقا لمقاييس خاصة  للدفاع عن حرمة أوطانها واستقلالها الخارجى وأمنها الداخلى ، ضد القوات الامريكية الغازية خفية التى ستعبر الحدود فى شكل طلبة وسائحون وفنانين وأدباء ورجال اعمال وأصحاب أموال بجوازات سفر مزورة الى اوكار أعدت خفية تحت لافتات بريئة براءة مراكز البحوث العلمية وجمعيات الدفاع عن حقوق الانسان والتدريس والجامعات حيث يجد كل واحد سلاحه الذى سبق تهريبه وأوامر صريحة بأن يقتل ويدمر .. هذا "الفلان" أو ذلك " المكان " لاجهاض مخططات الارهابيين.. لاشك فى هذا لأنه لاتوجد حكومة جادة فى دولة مستقلة تقبل بأن تغزوها جيوش القتل والتدمير الأمريكية بحجة أن الولايات المتحدة تريد اجهاض نشاط الارهابيين على أرضها بدلا من تتلقى من أمريكا اخطارا بأن لديها معلومات بأن على أرضها ارهابيين ثم تترك لها ممارسة سيادتها على أرضها احتراما لهذه السيادة .

   وهكذا ستبدأ كل حكومة جادة فى دولة مستقلة ، أوقد بدأت فعلا تكوين جيشها " الرابع " لحماية الوطن واستقلاله وأمنه ضد غزو جيش القتلة والمدمرين الأمريكى . وكما أن كل مواطن أو مقيم فى أية دولة قد يكون فى نظر الحكومة الامريكية وطبقا لمقايسها الخفية ارهابيا الان أو مرشحا طبقا لافكاره أن يكون ارهابيا فى المستقبل وبالتالى هو هدف  للانتقام أو للاجهاض فان كل دولة ستعتبر كل أمريكى من ذكر أو انثى يعبر حدودها مشتبها فى أن يكون جنديا فى الجيش الرابع الأمريكى وسيتعرض لما يتعرض له المشتبه فيهم والخطرون على الأمن من رقابة مستترة وتفتيش خفى واجراءات وقائية ضد نشاطه المحتمل .
   كما أننى لا أشك لحظة فى أن كل الاحرار وكل الثوار وكل الوطنيين فى العالم قد أصبحوا على يقين من أنهم افرادا وجماعات قد اصبحوا أهدافا للقتل الامريكى، أو قد يصبحون أهدافا يجب قتلهم طبقا لمقاييس  أمريكية خفية وقوائم سرية ، وأنه قد يكون من بين جند الجيش الرابع الأمريكى المكلفين بقتلهم أينما كانوا اولئك الزملاء فى المعاهد والملاعب والمشاة فى الطرقات ورفاق السفر فى القطارات أو قد يكون من بينهم تلكم الصديقات اللعوبات الفاتنات أو أولئك الاساتذة الوقورون.
   باختصار لقد أصبح من حقهم أن يشكوا فى كل أمريكى ، أو فى كل عميل نصير لأمريكا ، خوفا من أن يكون هو الذى تلقى أوامر الرئيس الامريكى بتنفيذ عملية " الإجهاض " القاتل . وقد يبلغ بهم الشك حد المبادرة الى اجهاض الإجهاض .
   وهكذا أعلن الرئيس الامريكى يوم 16 ابريل بدء حرب الاشباح حيث يطارد مجهولين فى أماكن مجهولة فى أوقات مجهولة . حيث سيكون السلاح الخنق بالأيدى أو التسمم فى الطعام أو الطعن بالخناجر أو الدهس بالسيارات  أو تفجير القطارات أو اشعال النار فى المنازل  أو الغابات حيث سيلجأ كل واحد  الى وقاية نفسه ضد ( الضربة الوقائية الأمريكية ) بأن يحرز السلاح ويتدرب عليه ويتعلم بنفسه أو يعلمه غيره أن الهجوم خير وسائل الدفاع فينقل المعركة الخفية الى قلب الولايات المتحدة الامريكية حتى تبقى دائرة هناك ولا تنتقل الى خارجها . وهناك ستهزم الولايات المتحدة الأمريكية لأنها قد اختارت – بغباء تاريخى – أن تخوض حربا لا تجدى فيها القنابل الذرية ولا الطائرات ولا الدبابات ولا الأساطيل ، اختارت أن تعلن حربا ينتصر فيها الوطنيون أصحاب العقائد التحريرية والثورية ويطيقون من تكلفتها ما يكفى لثمن تذكرة سفر وشراء مسدس أو حتى خنجر أو ما هو أقل من ذلك ثمنا .
   كل البشر ، فى كل مكان ، لن يلبثوا حتى يجدوا أنفسهم أما قاتلين أو مقتولين فى المخادع والمنازل والطرقات والشوارع ودور اللهو ومعاهد العلم . لن يتم هذا دفعة واحدة ولكنه قد بدأ . وعلى مدى سنين ستمتد هذه الحرب من خلال أفعال وردود أفعال الى أن تشمل البشر جميعا . وانى لأرجو مخلصا أن تلتفت البشرية الى مخاطر الحرب التى أعلنها رئيس الولايات المتحدة الامريكية ، وألا يكون الجهل بمبرراتها أو قواتها أو أسلحتها  وساحاتها أو ضحاياها مبرر التجاهل أنها هى هى الحرب العالمية الثالثة التى طال انتظارها .
   ومن يعتقد أن ما نقوله خيالا عليه أن يفكر فى أيهما أكثر واقعية . أن تكون الحرب العالمية الثالثة قد بدأت بأسلوب فرضته الظروف الاجتماعية والاقتصادية والسياسية التى سادت العالم منذ الحرب العالمية الثانية ، أم أن تعلن دولة كبرى مثل الولايات المتحدة الأمريكية أنها قد أعدت قوات مقاتلة وأمرتها بانتهاك حرمة كل الأوطان خفية . وقتل من تريد قتلهم ، بدون اقامة وزن لحرمة الأوطان واستقلال الدول وسيادة الشعوب وأحكام القانون . ان أى انسان يعيش فكره فى النصف الثانى من القرن العشرين يدرك أن ما أعلنه الرئيس الامريكى وما تمارسه الولايات المتحدة الامريكية يصل الى مستوى الجنون . فليكن ريجان مجنونا . المهم هو التعامل مع الأمر الواقع كما هو ، والواقع أن الرئيس الامريكى قد أعلن الحرب العالمية الثالثة ، وعلى الشعوب والأمم فى أنحاء الأرض جميعا أن تعد نفسها لمواجهة حرب الاشباح التى ستدوم سنين طويلة من الرعب الشامل يموت خلالها الناس فرادى وجماعات اغتيالا أو خوفا من الاغتيال فيتمنى الأحياء منهم لو كانت حربا ذرية .
*****

القاهرة عام 1986

الأحد، 20 نوفمبر 2016

تفتت الولايات المتحدة الأمريكية

تفتت الولايات المتحدة الأمريكية ووحدة الأمة العربية

الدكتور عصمت سيف الدولة
  المشكلة الشاملة في العالم هي التناقض بين نزوع الشعوب الى الحرية و بين دول كأمريكا و نظم  كالرأسمالية، و سيطرة حضارية أوروبية و احتكام في نهاية المطاف الى القوة (الغرب كافة).
 فكيف تحل؟
 بأن تسترد الشعوب حريتها بازالة نقيضها و لو بالتدرج، أعني ألا تتراجع الشعوب عن هدف الحرية  ولا تتوقف و لا تساوم و لا تسالم مهما طال الزمن فالنصر معقود في النهاية للحرية ضد الاستبداد "بحكم "جدل الانسان" . في هذا الاطار العالمي تعيش أمتنا العربية على وطنها و تتعرض لمثل ما تتعرض له شعوب الأرض و لكنها تعاني من مشكلة "عربية". التناقض بين نزوع الشعب العربي الى الحرية، مثل كل الشعوب، و بين حرمان الشعب العربي من أن يسترد حريته بفعل التجزئة الاقليمية التي تمثلها وتحرسها الدول الاقليمية، فتصبح المشكلة الأولية التي يجب أن تحل كمقدمة لمساهمة الشعب العربي بما يستطيع في حل مشكلة الحرية على المستوى العالمي هي الغاء التجزئة و اقامة دولة الوحدة، و لو بالتدرج. أعني ألا يتراجع عن هدف الوحدة و لا يتوقف و لايساوم و لا يسالم مهما طال الزمن فالنصر معقود في النهاية للوحدة ضد التجزئة، بحكم "جدل الانسان".
***

   تأتي المشكلة الأصل، أم المشاكل التي تعوق و تعطل حل كل المشكلات الأخرى، ان الأمة العربية لا تملك أداة حل أية مشكلة أخرى، لا مشكلة التجزئة و لا مشكلة السيطرة العالمية، لأن القوميين، المرشحين بمواقفهم القومية، لقيادة الشعب العربي الى التحرر من الاقليمية ثم التحرر من السيطرة الأجنبية، ما يزالون أفرادا أو شللا صغيرة، و لم يتوحدوا في تنظيم مقاتل، مناضل، قائد، قدوة، في حين أن وحدة المشكلات تفرض وحدة أداة حلها، بحكم " جدل الانسان" في فاعليته الاجتماعية. فيبدو كل شيء حتى الناس راكدين منقادين لأن القوميين فاشلون في أن يستفيدوا من "جدل الانسان". الذي يقولون أنهم يؤمنون به... المشكلة الأولى و الأولية، وهي أن القوميين يفتقدون التنظيم، الجهاز، الذي يجمعهم ديمقراطيا، لتلقى عليهم كل تلك الأسئلة و غيرها، فيتداولون في حلولها الصحيحة، و يضعون للتصدي لها خططا ممتدة، و يقسمون العمل فيما بينهم، و ينجزون ما يستطيعون، و يصمدون، لا يتوقفون و لا يساومون و لا يسالمون مهما طال الزمن فالنصر معقود في النهاية للقومية بحكم "جدل الانسان" أيضا.
    ان كنت في شك من هذا فانظر حولك.
  شل الذراع الأيسر لقهر الانسان، في الاتحاد السوفياتي،  الذي توقعنا انهياره كمجتمع اشتراكي في عام 1965 (صفحة 132 من كتاب أسس الاشتراكية العربية) و حذرنا الماركسيين من أن منهجهم الخاطئ، "المادية الجدلية" سيؤدي بالتجربة الاشتراكية بالرغم من كل الجهود التي تبذل في بنائها، لأن ذلك المنهج ينكر على الانسان قيادة حركة التطور الاجتماعي و يستبدل به عناصر الحياة المادية. هاهو ينهار بمجرد أن يقدم الغرب الى الانسان السوفييتي "جزرة" الحرية الليبرالية، فيتخذ الانسان السوفييتي من الجزرة المزوقة مدخلا الى حريته المفتقدة، حرية الانتماء القومي،  فيلوذ كل قوم بعضهم ببعض. ويكتشفون، و بقوة الانتماء القومي، أنهم بالرغم من أكثر من قرن من الحياة على الأرض السوفييتية المفتوحة للانتقال و العمل، ما يزالون مقيمين على أرضهم القومية، فلا يحتاج أي قوم الى اعادة تخطيط الحدود، بل يعلنون استقلالهم بما يقيمون عليه، فاذا هم في وطنهم التاريخي قبل أن يغزوه قياصرة الروس. لماذا لم يذوبوا؟ لأن الانتماء القومي رباط اجتماعي أقوى من أي رباط آخر. ثم في جلسة هادئة أتيح فيها للتشيك و السلوفاك تطبيع وجودهم و علاقتهم فتستقل دولة التشيك عن دولة السلاف كل في حدود وطنها القومي التاريخي. ثم تعرض الجزرة على شعوب الدولة الملفقة يوغسلافيا فاذا كل قومية هناك تتشبث بوطنها القومي و يسفح بعضهم دماء بعض هجوما  أو دفاعا عن قرى بناها أجدادهم يوم أن كانوا متميزين قوميا كما هم الآن. ثم بدون قتال تتوحد الأمة الألمانية بعد نحو نصف قرن من التجزئة. و قبلها انتصرت فيتنام فتوحدت قوميا. و قبلها استقلت باكستان عن الهند على أسس دينية، فأصبحت باكستان دولة اسلامية كما يقولون، ذات دستور اسلامي كما يزعمون. و لكنها لم تلبث ان انشقت الى دولتين على أسس قومية، دولة البنغال الاسلامية شرقا، و دولة البنجاب الاسلامية أيضا غربا... و هكذا.
 أولى الحريات التي تفرض ذاتها بعد التحرر هي حرية الانتماء. الانتماء القومي أو حتى الانتماء القبلي وهو ماوراء الصراع الدامي الذي تتخبط فيه الشعوب و القبائل الافريقية. فمنذ الستينات اجتمعت مجموعة من أغبياء القارة و اتخذوا قرار بقطع الطريق على الانتماء بأن قرروا الابقاء على الحدود " الدولية" (حدود الدول) التي أقامها الاستعمار الأروبي. فاستقلت القبائل مجزأة في كل دولة، فلبت كل القبائل في كل دولة نداء الانتماء الى مجتمعها الموزع تعسفا بين الدول، و بدا الصراع و لم يزل. و ما حالة الصومال الا مثلا لمأساة حرمان الناس من الحياة مع من ينتمون اليهم. فقد هزمت الدول الأروبية محاولة حكومة الصومال اعادة الاتصال و الوحدة مع الصوماليين في أوجادين و ثبتت التجزئة، فهاجر ملايين من أوجادين الى حيث ينتمون،  شعب الصومال. فعادوا جميعا الى الصراع القبلي بالرغم من القول بأنهم شعب لأن الصومال دولة و قد قال الفقهاء أن لكل دولة شعبا...
ثم نأتي الى أكبر دولة باغية و ملفقة. الولايات المتحدة الامريكية. انها ليست دولة قومية، و لا دولة شعوبية، و لا دولة قبلية، انها دولة متعددة الاثنيات. فكل نفر من سكانها ينتمي الى أمة أو شعب خارجها. و قد قامت على أساس أن يتولى الأنجلو سكسون البروتستانت البيض صهر بقية القوميات فيهم لغة  و حضارة و مصيرا. ولكن المشروع فشل فشلا ذريعا، باعتراف كل كتاب علم الاجتماع في الولايات المتحدة ، عام 1968، و اضطرت الدولة الفيدرالية الى رد حق كل جماعة اثنية في أن تتكلم لغتها القومية، و تستعملها في مدارسها، و في كنائسها، و أن تكون لها صحفها، و أعيادها، ومجتمعاتها، و أزيائها و كانت ثورة أسميت "الزهرة الطفلة". و قد بقيت الولايات المتحدة الأمريكية في حماية الاتحاد السوفياتي اذ هما حليفان موضوعيا ضد التحرر القومي، فلما شل الذراع الأيسر ضعف الذراع الأيمن و اندلع العنف بين القوميات في الولايات المتحدة الأمريكية يقوده السود و البيض ولأبناء الشوارع و أباطرة الجريمة المنظمة. الولايات المتحدة تترنح، ثم تتردد في الدخول طرفا في الصراعات القومية. فهي مع الوحدة الأروبية و ضد الوحدة الأروبية. و هي مع الصرب و ضد الصرب. و هي مع الصومال و ضد الصومال. انها تتخبط، لأنها غريبة حضاريا عن رابطة الانتماء القومي أو الشعبي أو حتى القبلي. انها لا تفهمها. ثم انها على الطريق الى الغباية الحتمية.
***
 لن أكون أنا موجودا بحكم العمر الذي يجري سريعا. ستكون أنت في أوج نضجك، فاشهد بأني قلت لك: أولا: أن القرن الواحد وعشرين سيكون قرن القوميات. و لن ينتهي الا و كل الدول قومية بشرا ووطنا.
 ثانيا: أنه قبل نهاية الربع الأول من القرن  الواحد و العشرين، ستكون الولايات المتحدة قد تمزقت كدولة الى عدد من دول كل منها قومية، و قد يجمع بينها اتحاد كونفدرالي. و ستكون قد توحدت ايرلندا، وسيكون قد استقل الباسك. و ستكون قد توحدت الأمة العربية بعد صراع دام مريرا عربي ـ عربي، اذا ما استطاع القوميون أن يتوحدوا في تنظيم قومي واحد يفكر و يدبر و يخطط و يحشد و يقود الشعب العربي الى دولته القومية و لو كره الاقليميون.
 اني على يقين من كل هذا.
 لماذا؟
 لأنني أؤمن بجدل الانسان، و هو منهج الفطرة. ومن قبل كان القائد العظيم على يقين من هذا أيضا يوم أن دعا المستعمرات الفرنسية الى الاستقلال ان اختارته. فاختارته.
*****


الاثنين، 14 نوفمبر 2016

دفاع عصمت سيف الدولة عن انتفاضة يناير 1977

دفاع عصمت سيف الدولة عن انتفاضة يناير 1977
" دفاع ممتد "
محمد سيف الدولة

فى عام 1977 قدمت النيابة بناء على تحريات جهاز مباحث امن الدولة 176 متهما الى المحاكمة بعد ان قبضت عليهم ووجهت اليهم حوالى 15 اتهاما يمكن تصنيفها الى تهمتين رئيستين ، الاولى انشاء منظمات غير شرعية تهدف الى قلب نظام الحكم بالقوة ، والثانية هى تحريض الجماهير يومى 18 و19 يناير على التظاهر والتجمهر بهدف اسقاط النظام .
تصدى عدد من كبار المحامين للدفاع عن المتهمين وكلفوا الدكتور عصمت سيف الدولة بالقيام بمسئولية الدفاع الموحد العام فى الشق التحريضى من القضية . وقدم سيف الدولة دفاعه وحكمت المحكمة ببراءة كل المتهمين .
عن هذا الدفاع والمنشور فى كتاب باسم " دفاع عن الشعب " اقدم فيما يلى لمحات عن بعض محاوره :
اولاـ الانقلاب :
اتهم الدفاع الحكومة بالقيام بانقلاب دستورى والخروج عن الشرعية وذلك فيما اتخذته من سياسات على امتداد الفترة من اوائل 1974 وحتى تاريخ الاحداث وحدد هذه السياسات فى الاتى:
·       سياسة الانفتاح الاقتصادى المحددة باصدار القانون رقم 43 لسنة 1974 المعروف باسم " قانون نظام استثمار راس المال العربى والاجنبى والمناطق الحرة " وذلك فى مخالفتها للمقومات الاقتصادية للدولة الواردة فى الدستور والمعبر عنها بالمواد ارقام 1 و 2 و3 و 5 و23  و24 و26 و29و     30و32و34 و35و36و56 و73 و179 و180 . و كذلك ما اسفر عنه هذا القانون من سيطرة الطبقة الراسمالية على الدولة مما يمثل جريمة منصوص عليها فى المادة 98 أ من قانون العقوبات التى تفرض عقوبة الاشغال الشاقة على اى هيئة " ترمى الى سيطرة طبقة اجتماعية على غيرها من الطبقات او القضاء على طبقة اجتماعية او قلب نظم الدولة الاساسية الاجتماعية والسياسية..."و كذلك ما ادى اليه من تبعية اقتصادية الى الولايات المتحدة الامريكية والخضوع لشروط صندوق النقد الدولى.
·       وكذلك ما قامت به الحكومة من توقيع لاتفاقية فض الاشتباك الثانى مع العدو الصهيونى فى اول سبتمبر 1975الذى جاءت ايضا مخالفة للشرعية الدستورية اذ تنص المادة الاولى منها على انه قد وافقت حكومة مصر العربية وحكومة اسرائيل على ان " النزاع بينهما فى الشرق الاوسط لا يتم حله بالقوة وانما بالوسائل السلمية " وتنص المادة الثانيةعلى ان " يتعهد الطرفان بعد استخدام القوة او التهديد بها او الحصار العسكرى فى مواجهة الطرف الآخر" . وهو ما يمثل مخالفة للدستور الاتحادى بين مصر وسوريا وليبيا ، فيما جاء فى مرفقاته من الاتى " قرر الرؤساء الثلاثة بالجماع ما يلى (1) ان تحرير الارض العربية المحتلة هو الهدف الذى ينبغى ان تسخر فى سبيله الامكانات والطاقات (2) انه لاصلح ولا تفاوض ولا تنازل عن اى شبر من الارض العربية (3) انه لاتفريط فى القضية الفلسطينية ولا مساومة عليها .
وهو الدستور الذى طرح وهو ومرفقاته  على الاستفتاء الشعبى فى مصر بتاريخ 17 ابريل 1971 وتمت الموافقة الشعبية عليه ومن يومها اصبح وثيقة ملزمة دستوريا وشرعيا .
·       ثم الخروج الثالث عن الشرعية باصدار القرارات الاقتصادية برفع الاسعار فى 17 يناير 1977 والذى خرجت باطلة من حيث مخالفتها للموازنة الموافق عليها من مجلس الشعب حيث نص الدستور فى مادته رقم 115 انه "يجب عرض مشروع الموازنة على مجلس الشعب ...ولاتعتبر نافذة الا بموافقته "
وبالتالى فانه يترتب على هذا الخروج عن الشرعية من قبل الحكومة انه حتى اذا ثبتت التهم المسندة الى المتهمين بانهم قادوا الجماهير من اجل اسقاط سياسة الانفتاح الاقتصادى واسقاط اتفاقية فض الاشتباك ورفض غلاء الاسعار واسقاط القائمين على الحكم الذين اتخذوا هذه السياسات فانهم لا يكونون بذلك قد خالفوا الشرعية .
***
ثانيا ـ المؤامرة :
اكد الدفاع انه رغم ان الانتفاضة كانت تعبيرا شعبيا عفويا عن الغضب من القرارات الاقتصادية ، الا ان جهاز مباحث امن الدولة استخدمها كذريعة لتصفية القوى الوطنية المعارضة للحكومة والنظام والذى كان يتابع ويترصد حركتها منذ منتصف عام 1973  فقام بضم عدد 7 قضايا مختلفة فى الاعوام 1974 و1975 و1976 وهى قضايا سبق ان قبض فيها على المتهمين وحققت معهم النيابة و افرج عنهم الا انها بقيت فى الصندوق تنتظر اللحظة المناسبة والظرف الملاءم فلما قامت انتفاضة يناير وجدها امن الدولة فرصة لتصفية هؤلاء فطلب من النيابة ضم القضايا القديمة الى  القضية الاساسية الحاملة  رقم 100 لسنة 1977. مما ظهر جليا فى اضطراب التهم وعدم ارتباطها ببعضها البعض ناهيك عن انفصام اى صلة بين معظمها وبين وقائع ما حدث يومى 18 و 19 يناير .
***
ثالثا ـ امن الدولة :
قدم الدفاع للمحكمة احصائية تفصيلية عن نسبة الخطأ او الكذب فى تحريات امن الدولة فى 10 قضايا تم نظرها فى الفترة من 1974 وحتى 1977 . وكان معيار التقييم هو النسبة بين عدد الذين شملتهم بلاغات امن الدولة الى نسبة الذين قدمتهم النيابة فعلا الى المحاكمة . وكانت نسبة الخطأ او الكذب 78 % . وبناء عليه اكد سيف الدولة ان " هذا الجهاز حين يتلقى المعلومات من المصادر ، وحين يدخلها فى التعميمات ، وحين يضيف اليها او يحذف  منها ، وحين يدونها فى السجلات ، وحين يختار منها مايبلغ عنه ، وحين يقدم عن بلاغاته مذكرات ، وحين يبدى ضباطه الاقوال امام المحققين او امام المحاكم ، يكون خاضعا لاوامر سياسية تأتيه من خارجه ولايكون الحرص على الشكل القانونى الا محاولة لستر الاستبداد بقشرة من الاجراءات القانونية " وهو ما يجعل هذا الجهاز وادلته غير جديرين بثقة القضاء .
***
رابعا ـ نفى الادلة :
·       الشاهد الوحيد : طلب الدفاع عدم الاعتداد بكل البلاغات المقدمة الى النيابة والتى تبدأ بعبارة واحدة هى " دلت التحريات ومصادر المعلومات " والتى تعتمد على شهادة شهود مجهولين ومحجوبين عن المحكمة . واستند فى ذلك على شروط الشهادة المقبولة شرعا ، كما استند الى حكم سابق لمحكمة امن الدولة العليا جاء فيه " ان المحكمة لا ترى ان تعرف ضابط واحد بمفرده على اى من المتهمين دليل مقنع على اثبات الاتهام ضده . ولا يبقى بعد ذلك الا التحريات مجهولة المصدر وهى فى مثل ظروف الدعوى لا تستقيم حتى كقرينة قبل اى من المتهمين "
·       الاوراق الخطية :  طالب الدفاع باستبعادها كدليل ادانة لعدد من الاسباب ابرزها هو انها غير معدة " للتوزيع بغير تمييز " وهو شرط التجريم الذى تنص عليه المادتين 171 و 174 من قانون العقوبات
·       كما طالب باستبعاد الصور الضوئية لاى اوراق مقدمة كدليل ادانة وذلك طبقا لما نص عليه القانون المدنى من انها لاتصلح دليلا على مطابقتها للاصل اذا جحدها من تنسب اليه
·       اما عن الكتب المضبوطة فان الدفاع طلب استبعادها على اساس انه لا يوجد نص فى القانون يجرم حائزيها حتى اذا كانت كتبا ممنوعة وانما يقع التجريم فى هذه الحالة على المؤلف و المستورد والطابع والبائع والموزع
·       اما عن الاوراق المطبوعة المنسوبة الى احزاب غير مشروعة فان ضرورة استبعادها تتأتى من ضرورة اثبات وجود هذه الاحزاب اصلا ، واثبات انتماء المتهم لها ، واثبات انه شريك فى اصدار هذه الاوراق على وجه التحديد . هذا بالاضافة الى ان المباحث قدمتها الى المحققين بعد بداية التحقيق ولم تعرض مع المتهم مما يلقى شبهة التلاعب بها او دسها على المتهم على غير الحقيقة وهو ما نظمه قانون الاجراءات الجنائية .
·       الصور الفوتغرافية والتسجيلات : وجه الدفاع ضربة قوية الى هذا النوع من الادلة فنجح فى تحقيق نتيجة ايجابية و هامة ، وهى استبعادها من القضية وكل القضايا المماثلة حيث تحققت سابقة قضائية وهى عدم الاعتداد منذ ذلك الحين باى صور اوتسجيلات لسهولة التلاعب بها . وكان ما فعله د. سيف الدولة انه قدم للمحكمة صورا للهيئة القضائية مستبدلا فيها وجه اعضاء المحكمة بوجهه هو شخصيا . اما عن التسجيلات فقام باعداد وتقديم تسجيل صوتى للعقيد منير محيسن احد شهود القضية بعد ان اعاد تركيب شهادته بحيث تظهر وكانه شاهد نفى وليس شاهد اثبات .
واختتم  د/ سيف الدولة مرافعته بالدفاع عن حق المقاومة الشعبية مستندا الى نصوص من الدستور وقانون العقوبات والشريعة الاسلامية والشريعة المسيحية والمبادىء القانونية .
واصدرت المحكمة حكمها المتقدم بالبراءة .                         ( انتهى )
*****