السبت، 20 أغسطس 2022

اصبحنا مستعمرة أمريكية


 

تحل اليوم الذكرى الـ 99 لميلاد الدكتور/ عصمت سيف الدولة فى 20 أغسطس 1923.

وبهذه المناسبة ننشر اليوم هذا المقطع من محاضرة ألقاها فى الكويت فى اواخر الثمانينات من القرن الماضى، يصف بها المشهد العربى بأنه قد وصل الى الحضيض حيث اصبح الوطن العربى كله بمثابة مستعمرة أمريكية، وهو ما يجعل النضال من أجل الاستقلال والحرية على رأس برامج واهداف الشباب العربى والقوى الوطنية من المحيط الى الخليج.

ولقد كانت هذه قراءة مبكرة جدا للواقع العربى؛ قبل غزو العراق ونشر القوات والقواعد الامريكية فى الخليج، وقبل تقسيم السودان، وقبل اتفاقيات اوسلو ووادى عربة ومبادرة السلام العربية وصفقة القرن وما يسمى باتفاقات ابراهام والحديث عن ناتو عربى اسرائيلى تحت القيادة الامريكية ورحلات الحج المكوكية الى واشنطن لنيل القبول والدعم والبركة..الخ

واذا كان الوضع العربى قد وصل الى الحضيض فى اواخر الثمانينات، فبماذا نصف الوضع الحالى؟

رحم الله استاذنا ومفكرنا الراحل، وألهمنا جميعا البصيرة والعزم والقوة لانقاذ الأمة من براثن الولايات المتحدة الأمريكية وكل القوى الأجنبية.

 

 

 

 

 

الاثنين، 1 أغسطس 2022

أزمة الحرية فى الوطن العربى

 

أزمة الحرية فى الوطن العربى *

الدكتور/ عصمت سيف الدولة

والحقيقة القائمة في أغلب الأقطار العربية مرة كطعم العبودية ذاتها. ان ملايين من أبناء الشعب العربي لم يصلوا الى حد التحرر من الخوف من البطش بلا انذار، والاتهام بلا تحقيق، والسجن بلا محاكمة، والقوانين بلا عدالة، والجوع والتشريد بلا ذنب والخوف من أن تهدر الحياة، وأن يقطع الرزق، وأن تهان الكرامات. الخوف الذي يشل التفكير، ويعمي البصائر ويخلع القلوب، فلا تقوى الجماهير على مجرد الشكوى من المشكلات، ولا على معرفتها، ولا على حلها، وتبقى المشكلات قائمة بدون حل. وما دام الخوف يحبس الألسنة فلا تشكو، ويرعب الناس فلا تقول، ويخرب الذمم فتختلق الحلول نفاقا، فان أول أسباب الجدل الاجتماعي معدوم. أول شروط الديموقراطية غير قائم. فاننا اذ ننطلق من مشكلات غير معروفة، لأن الخوف قد حبسها، أو لأن النفاق قد زيفها، فان تبادل الرأي - ولو شكلت له المجالس والتنظيمات- سيدور على مشكلات مجهولة أو زائفة، فتصبح الحلول معلقة في رؤوس أصحابها تدور على هوى المستبدين. ولن يجدي بعد هذا أن يكون لكل انسان حرية العمل ولو كان عملا سياسيا. المنطلق خطأ. والأساس الديموقراطي منهار. لأن، الناس في أغلب أقطار الوطن العريى خائفون. وللناس في أغلب أقطار الوطن العريى أسباب تبرر الخوف الدائم، ولو كانت أسباب الخوف قد انقطعت. فان كثيرا من حكام العرب لم يستطيعوا حتى الآن أن يكسبوا ثقة الناس في أقوالهم ولو قالوا لهم: انكم آمنون.

*****

* من كتاب أسس الاشتراكية العربية (الجزء الثانى) ـ ص 85

 

السبت، 16 يوليو 2022

نداء الى كل البشر

 

نداء إلى كل البشر

من أجل السلام والحرية والديمقراطية

د. عصمت سيف الدولة

 

أيها الناس، من كل الشعوب، من كل الأجناس، من كل الألوان، من كل الأديان، في كل مكان، انتبهوا، تأملوا، اعدلوا، ولو مرة واحدة، من أجل السلام والحرية والديمقراطية لكل البشر الآن وإلى الأبد.

منذ أن انتهت الحرب العالمية الثانية عام 1945 بقذيفة نووية صنعها شيطان وألقاها مجنون، فأهلك بها في لحظة مئات الألوف في هيروشيما بعد أن قد أهلكت الحرب عشرات الملايين من البشر عسكريين ومدنيين رجالا ونساء وشبابا وأطفالا، أصبح حلم البشرية، كل البشرية، ألا يتعرض الرجال والنساء والشباب والأطفال، في أي مكان، في أي زمان، لمثل تلك المجزرة الوحشية التي يسمونها الحرب.

من أجل هذا كان لابد من أن تلغى إلى الأبد شريعة الغاب، حيث تنعدم المساواة بين الكائنات وحيث تؤدي المنافسة الحرة على الحياة إلى افتراس الأقوى من هو أضعف منه. كان لابد من أن تلغى إلى الأبد التفرقة بين البشر حسب أجناسهم أو أديانهم أو ألوانهم أو لغاتهم، كان لابد من المساواة بين الناس، كان لابد من المساواة بين الدول، فكان لابد للبشر من أن يحتكموا إذا تنازعوا إلى قواعد عامة مجردة تحكمهم وتحكم فيما بينهم، وكان لابد للدول أن تحتكم إذا تنازعت إلى قواعد عامة مجردة تحكمها وتحكم فيما بينها، وكان كل البشر يريدون أن يتجنبوا العنف والخوف من العنف.

ولقد بدأ التعبير عن هذه الإرادة الإنسانية العامة قبل أن تنتهي الحرب. ففي 14 أغسطس 1941 (أثناء الحرب) اجتمع روزفلت رئيس الولايات المتحدة الأمريكية وتشرشل رئيس وزراء إنجلترا على ظهر البارجة (برنس أوف ويلز) وأصدرا تصريحا ذائع الصيت عرف باسم (ميثاق الأطلنطي) جاء بالفقرة السادسة منه أن الرئيسين يأملان (بعد القضاء على النازية) في أن تتمكن جميع الأمم من التحرر من الخوف والعوز ومن الحياة في ظل السلم والأمن الدولي. وفى أول يناير 1942 صدر تصريح باسم تصريح الأمم المتحدة (مشروع الميثاق)، وكان خطوة ثانية إلى تحقيق حلم البشرية، ولكن قوة الشر والدمار والخوف، عدوة السلام والإنسان (الولايات المتحدة الأمريكية) اعترضت تلك الخطوة باقتراح عقد حلف عسكري دائم بينها وبين الاتحاد السوفيتي ودول الكومنويلث البريطاني على أن يضم جمهورية الصين فيما يتعلق بالشئون الأسيوية للإشراف على تنفيذ معاهدة الصلح التي سوف تفرض على ألمانيا واليابان وإيطاليا تنفيذا كاملا.

ولقد رفضت كل الدول ذاك الاقتراح لأن سائر دول الأمم المتحدة سواء كانت من الدول الوسطى أو الصغرى سوف تخضع بمقتضاه لنظام ديكتاتوري تفرضه عليها الدول الأربع العظمى وهو ما لا يمكن أن ترضاه لنفسها الدول التي اشتركت في القتال لنصرة الديمقراطية. ولأن هذا الاقتراح إذا قدر له التنفيذ لن يفيد إلا معنى واحدا هو إحلال نوع جديد من الديكتاتورية محل الديكتاتورية المحورية، فتراجعت أمريكا إلى حين.

إلى حين أن اختلى ستالين وتشرشل وروزفلت بأنفسهم في يالتا يوم 11 فبراير 1945 واتفقوا على اقتسام مناطق النفوذ في العالم، ثم اتفقوا، على أن تكون إرادة البشر في كل الأرض كما تمثلهم الهيئة العامة للأمم المتحدة، وإرادة هيئتهم التنفيذية التي يمثلها مجلس الأمن، غير نافذة إلا إذا وافقت عليها خمس دول مجتمعة: الولايات المتحدة الأمريكية، والاتحاد السوفيتي، والمملكة المتحدة، وفرنسا، والصين.

لم يكن من الممكن أن تقبل دول العالم وهي مجتمعة في سان فرانسيسكو في إبريل 1945 لصياغة دستور قائم على أساس من المساواة بينها كما نص الميثاق، أن تحتكر دولة أو أكثر من دولة سلطة تعلو على إرادة البشر جميعا. وقد عبرت كل الدول، من غير المحتكرين، على رفض مؤامرة (يالتا).

فما الذي حدث؟

أعلنت الولايات المتحدة الأمريكية صراحة أن عدم موافقة المؤتمر على ما تم الاتفاق عليه بينها وبين الاتحاد السوفيتي والمملكة المتحدة في (يالتا) ستكون نتيجته الحتمية امتناع الولايات المتحدة الأمريكية عن التصديق على ميثاق الأمم المتحدة.

بهذا التهديد الصريح فرضت الولايات المتحدة الأمريكية، التي تتحدث كثيرا عن الشرعية الدولية والسلام العالمي، وحقوق الإنسان، فرضت أن تكون إرادتها فوق إرادة كل الشعوب والأمم والدول والبشر في العالم كله.

منذ ذلك الحين، لم تتوقف الحروب والثورات والعنف على ظهر الأرض، وحيث لا يوجد دستور، ولا قانون، ولا مساواة، ولا عدالة، لا بد من العنف. وتقوم الولايات المتحدة الأمريكية منذ نصف قرن بدور الطاغية المستبد في المجتمع الدولي. ولقد مضت فترة من الزمان كان تنافس الاتحاد السوفيتي والولايات المتحدة الأمريكية فيها على الاستبداد بالأمم والشعوب والدول، يتيح للمستضعفين الذين هم كل البشر ثغرة لكسب قدر من الحرية، قدر من المساواة، قدر من العدالة في مقابل أن يكونوا تابعين لأحد الطاغيتين. ولقد استفادت دول كثيرة متوسطة وصغيرة بل وكبيرة من التناقض بين الدولتين العظميين، إلى أن انسحب جورباتشوف من حلبة المنافسة وانحاز إلى الولايات المتحدة الأمريكية، لتتوحد قوى الديكتاتورية المفروضة على العالم.

وكان لا بد مما ليس منه بد، أصبح على كل الأمم والشعوب والبشر في كل الدول المقهورة أن تختار بين أمرين لا ثالث لهما: إما أن تقبل مذلة الخضوع للإرادة الأمريكية، وإما أن تقاتل من اجل الحرية والمساواة والعدالة والسلام.

ولقد اختارت الأمة العربية القتال وستنتصر لأنه قتال اليائسين من الحياة الحرة الكريمة، اليائسين من العدالة الدولية، اليائسين من سلام البشر لا سلام أمريكا.. ومع ذلك، قد لا تنتصر.. فليكن.. سنموت.. فليكن.. ما الذي نخسره إلا مذلة الحياة في ظل الطغيان الأمريكي.

أيها الناس، انتبهوا، تأملوا، اعدلوا ولو مرة واحدة.

وثقوا أننا نحن العرب نفضل الفناء الكامل الشامل على الخضوع للولايات المتحدة الأمريكية، فليكف المنافقون عن الإشفاق الكاذب على مصيرنا، سنمارس حريتنا ولو بالموت.

أنتم أيها الناس، تبحثون عن حل سلمي.. لا يمكن أن يوجد حل سلمي لما أسمته الولايات المتحدة الأمريكية أزمة الخليج، ما دامت أزمة الشرعية الدولية ما تزال مستحكمة. وحين تحل أزمة الشرعية الدولية فسنحتكم إلى ميثاق الأمم المتحدة، وهيئتها العامة، ومجلس أمنها، وسننفذ إرادة المجتمع الدولي حتى لو لم تتفق مع إرادتنا، قد نخسر قضية ولكنا نكون قد كسبنا لكل الشعوب قضيتها وقضيتنا …

نحن نقدم إليكم، أيها الناس، حل أزمة الشرعية الدولية الآن، وإلى الأبد، إلغاء سلطة ((الفيتو)).

لتكون السيادة على الأرض لكل الدول على قدم المساواة، لتخضع الأقلية للأغلبية من أجل السلام، ليعود الميثاق دستورا لنا، ولتعود الجمعية العامة لهيئة الأمم المتحدة برلمانا لنا، ليكون مجلس الأمن حكومة لنا..

حينئذ سنقبل قرارات برلماننا، ونخضع لما تقرره حكومتنا نحن البشر..

وإلا..

فقاتلونا يقتلكم الله بأيدينا..

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته ...

القاهرة فى 7 يناير 1991

 

الجمعة، 1 أبريل 2022

صفحة جديدة على الفيسبوك

صفحة جديدة على الفيسبوك

تم انشاء صفحة جديدة للدكتور/ عصمت سيف الدولة، بعد ان قام الفيسبوك بالغاء الصفحة السابقة كواحد من العقوبات التى تم توقيعها على مديرها الذى تم اغلاق حسابه نهائيا بسبب تدويناته المناصرة لفلسطين والمناهضة للاحتلال. وكان عنوان الصفحة الملغاة هو "عصمت سيف الدولة ـ الذكرى الخامسة والعشرون". وكانت تحتوى على العديد من مقاطع الفيديو من محاضرات الدكتور وعلى فقرات من كتاباته وروابط لمقالاته، والاهم انها كانت تجمع الالاف من تلاميذه وقرائه، وتزخر بمداخلاتهم وتعليقاتهم الثرية.

ونتمنى ان نتمكن من خلال هذه الصفحة الجديدة من التواصل واعادة لم الشمل واعادة نشر ما تم الغاءه والاضافة عليه باذن الله.

وفيما يلى رابط الصفحة الجديدة

د. عصمت سيف الدولة   Facebook

 

 

الخميس، 20 أغسطس 2020

التغريب والتخريب



فى الذكرى السنوية 97 لميلاد الدكتور/ عصمت سيف الدولة فى 20 اغسطس 1923، نهدى تلاميذه وقراءه هذا المقطع الجديد من احدى محاضراته، الذى قام فيه بتحذير الشباب العربى من مخاطر حملة التغريب العدوانية الممنهجة التى تستهدف تفكيك الأمة وكيف تقوم بتخريب الشخصية العربية وضرب الانتماء العربى الاسلامى لدى الشباب.




الثلاثاء، 31 مارس 2020

حقوق الانسان من منظور مختلف



مقطع صوتى من احدى محاضراته

كان الدكتور عصمت سيف الدولة عليه رحمة الله يتصدى كمحامى للدفاع عن حريات وحقوق كل المعتقلين والمتهمين السياسيين من كافة التيارات بدون استثناء. وكان كمفكر وكسياسى يعارض كل أشكال الاستبداد؛ من انظمة وحكام وسياسات وتشريعات.
لكنه مع ذلك كان يشعر على الدوام بالهوة الشاسعة بين مساحة الاهتمام بالحقوق السياسية المستحقة بجدارة، وبين الحقوق الاقتصادية والمعيشية والاجتماعية لعامة الشعب، التى تكاد تغيب عن برامج واجندات غالبية المثقفين والقوى السياسية فى مصر والعالم العربى.

الخميس، 16 أغسطس 2018

قصة حياة مسلم


قصة حياة مسلم
الدكتور/ عصمت سيف الدولة

1ـ حينما يدور الحديث المرسل عما جاء به الإسلام من شرائع يلتفت المتحدثون الى نماذج العقوبات التى وردت فى القرآن جزاء على خرق قواعد الحدود. يلفت اليها أن بعضها مثل الجلد والرجم وقطع اليد، لم تعد اليوم من بين العقوبات التى تفرضها القوانين الوضعية. لسنا نريد أن نخوض فى هذا الان لانه يطول، ثم يتوقف على أية نظرية تقوم مشروعية الجزاء. وهى نظريات متعددة. يكفى أن ننبه الى أن نظرية الجزاء فى الاسلام لا تقوم على أساس الانتقام قال تعالى:" ولكم فى القصاص حياة "( البقرة : 179 ) ( الاحتفاظ للجرم بجزاء شخصى فى الاخرة ، واستبدال الدية بالعقوبة والتوبة والعفو ) بل هى ، مثل كل أحكام الاسلام، قائمة على ما يحقق مصالح البشر، أو حماية المصالح كما يقال فى فقه القانون الجزائى، وذلك بالزجر الكافى والمناسب اجتماعيا للمحافظة على قوة الالزام فى القواعد الآمرة أو الناهية وهى " الحدود " أى الفوارق بين الحلال والحرام، وان كان قد جرى اطلاق  كلمة الحدود مجازا على العقوبات. و اذا كان "لا اجتهاد فى الحدود"، فليس لأحد أن يبيح ما هو محرم، فان تقدير الجزاء الكافى والمناسب على خرق الحدود قابل للاجتهاد، وفيما يؤكد نفاذ القواعد ويحمى المصالح فى كل الظروف المتغيرة. من هنا فليس دقيقا فيما نرى، أن يقال ان عمر بن الخطاب قد عطل حد السرقة عام المجاعة. فما كان له أو لغيره أن يبيح ما حرم الله. ولكنه رأى فى ظروف معينة ان جزاء قطع اليد لا يؤدى غايته فى الزجر وحماية المال. ويدخل فى هذا كل ما اجتهد الأئمة فى إشتراطه للمسؤولية عن الجرائم فهى شروط متعلقة بايقاع الجزاء وليس بشرعية الفعل. هذا يكفى الآن حتى لا يغيب عن الانتباه أن الشرائع والقواعد و الآداب التى جاء بها الإسلام ليست مقصورة على الجرائم والمجرمين. بل هى تنظيم لعلاقات الناس وهم يمارسون حياتهم العادية السوية، فتربط بينهم وتحيلهم الى مجتمع إسلامي.
    لنأخذ مثلا من حياة مسلم سوىّ.
2ـ كان صاحبنا يتبع ما يهديه اليه "عقله ومصلحته وهواه وشهوته" ثم شهد بألا اله الا الله وأن محمدا عبده ورسوله، فأصبح مسلما: له على المسلمين حقوق المسلم وعليه للمسلمين واجبات المسلم. انه منذئذ لا يستطيع أن يتبع ما يهديه اليه "عقله ومصلحته وهواه وشهوته" وانما عليه أن يتبع "الشرائع والقواعد والآداب" التى جاء بها الاسلام. فان لم يفعل رده المسلمون الى ما يتفق مع الاسلام وأوقعوا به الجزاء الذى يردع غيره.
    كيف؟
    هداه"عقله ومصلحته وهواه وشهوته" الى أن "يعاشر" امرأة معينة وارتضت هى معاشرته على هدى عقلها ومصلحتها وهواها وشهوتها. لو تركا لما اهتديا اليه لتعاشرا. فيقو ل الاسلام لهما: لا. تعاشرا زواجا وليس سفاحا."محصنين غير مسافحين"(النساء: 24). فيقبلان الزواج. ولكن قبل ان يشرعا فيه يقدم لهم الإسلام قائمة بنساء موصوفات ليرى صاحبنا ما اذا كانت المرأة التى اختارها من بينهن أم لا. فان كانت من بينهن فلا زواج "ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء الا ما قد سلف، انه كان فاحشة ومقتا، وساء سبيلا. حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم وأخواتكم وعماتكم وخالاتكم وبنات الأخ وبنات الاخت وأمهاتكم اللاتى ارضعنكم وأخواتكم من الرضاعة وأمهات نسائكم وربائبكم اللاتى فى حجوركم من نسائكم اللاتى دخلتم بهن فان لم تكونوا دخلتم بهن فلا جناح عليكم، وحلائل أبنائكم الذين من أصلابكم وأن تجمعوا بين الأختين إلا ما قد سلف، ان الله كان غفورا رحيما. والمحصنات من النساء"(النساء: 22-24).

   ولقد يتحقق صاحبنا من أن المرأة التى اختارها وارتضته زوجا ليست من قائمة المحرمات، لانه هو نفسه كان قد تزوجها هى نفسها من قبل وطلقها ثلاث طلقات. وقد هداه "عقله ومصلحته وهواه وشهوته" الى ان يتزوجها مرة اخرى وقبلت هي. الاسلام يقول: لا. "فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره "(البقرة : 230) . فلا يتزوجها صاحبنا بصرف النظر عن عقله ومصلحته وهواه وشهوته.

   ولقد يضيق صاحبنا بالانتظار فيختار امرأة اخرى وترتضيه هى زوجا بعد أن يعرف من أمرها أنها كانت الى عهد قريب زوجا لغيره. فيتعجل الزواج فيقول الاسلام لا. لا تتعجل. ان كانت مطلقة فعليك أن تتأكد أولا من أنها غير حامل من زوجها السابق، ثم تتأكد ثانيا من انه انقضت على طلاقها ثلاثة اشهر وتعد الايام عدا "والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء، ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله فى أرحامهن " (البقرة: 228). فتأخذ صاحبنا الفرحة اذ أن من اختارها لم تكن مطلقة وإنما توفى عنها زوجها منذ أربعة أشهر ويهم بالزواج فيقول الاسلام: لا. ليس قبل عشرة أيام أخر. “والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا "(البقرة: 234).

   وينتظر صاحبنا عشرة أيام لا تنقص يوما واحدا. ثم قد يهم بها وتهم به، فيقول لهما الإسلام: ليس قبل العقد، لان الزواج ليس فعلا بل هو عقد وميثاق غليظ:"وأخذن منكم ميثاقا غليظا" (النساء: 21). وقد يسر لصاحبنا:"عقله ومصلحته وهواه وشهوته" بتساؤل: وما الفرق؟ ان الفرق الان أن العقد لا ينعقد الا برضاكما. نحن راضيان. لا. لابد من أن يشهر العقد ليعلم الناس انكما راضيان. ثم ان عليك أن تدفع لها مهرا."وآتوهن أجورهن بالمعروف"( النساء: 25) كم ؟ لا يهم. انه رمز الالتزام وليس ثمن بضاعة تشترى ثم ان العقد يلزمك انت بالنفقة:"الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض وبما أنفقوا من أموالهم "( النساء: 34 ) من مالك انت وليس من مالها هى :" فلا تأخذوا منه شيئا " ( النساء: 20 ) الا اذا رضيت هى " فان طبن لكم عن شئ منه نفسا فكلوه هنيئا مريئا "( النساء : 4 ) ثم انه قد تكون بينكما شروط غير ممنوعة. مثل؟ مثل أن تحتفظ هى لنفسها بحق فسخ الزواج. أما الفروق الأخرى فستعرفها فى مستقبل حياتكما الزوجية ان شاء الله.

   وينعقد العقد ويفرح العروسان ويشهران زواجهما بأن يدعوا الأهل والأصحاب إلى وليمة عامرة بكل  طعام وشراب اهتديا إلى انه يسر المدعوين "عقلا ومصلحة وهوى وشهوة" فلا يتركهما الإسلام الى ما اهتديا. اذ يراهما يكادان يسرفان إنفاقا فيأمرهما بعدم التبذير: "إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين" (الاسراء: 27)؛ او يكادان يقتران فينبههما الإسلام الى ان منع التبذير لا يعنى إباحة التقتير:"والذين اذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواما"(الفرقان: 67) " ولا تجعل يدك مغلولة الى عنقك ولا تبسطها كل البسط"(الإسراء: 29). فيهتديان ويولمان. ويراجع الإسلام قائمة الطعام والشراب خشية أن يكون"العقل والمصلحة والهوى والشهوة" قد دست فى الشراب خمرا (او مخدرات)." يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه"(المائدة: 90) أو دست فى الطعام مما حرم على المسلمين:" حرمت عليكم الميته والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به والمنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة وما أكل السبع الا ما ذكيتم وما ذبح على النصب " (المائدة: 3).
***
3ـ وتجرى الحياة بالزوجين على قاعدة المساواة بينهما:" ولهن مثل الذى عليهن بالمعروف " (البقرة: 228). والتعاون على ما فيه حفظ المودة والرحمة بينهما " ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة"(الروم: 21) "هن لباس لكم وأنتم لباس لهن"(البقرة: 187)، بدون عدوان " وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان"(المائدة: 2). ويترك لهما بعد ذلك أن يدبرا حياتهما معا على ما يرضيهما بدون شذوذ عما تجرى به أفضل التقاليد فى مجتمعهم." وعاشروهن بالمعروف"(النساء: 19).  ويحذر صاحبنا من نزوات "هواه وشهوته" " فان كرهتموهن فعسى أن تكرهوا شيئا ويجعل الله فيه خيرا كثيرا " (النساء: 19). فان اختلفا حتى كادا يفترقان فعلى أهلهما التدخل لإنهاء الخلف صلحا:" وان خفتم شقاق بينهما فابعثوا حكما من أهله وحكما من أهلها، إن يريدا إصلاحا يوفق الله بينهما، ان الله كان عليما خبيرا"(النساء: 35)؛ "وان امرأة خافت من بعلها نشوزا أو إعراضا فلا جناح عليهما أن يصلحا بينهما صلحا، والصلح خير"(النساء : 128 ) . ويحذر الإسلام الزوجة خاصة من أن تبالغ فيما تحمل زوجها من نفقات نزقا أو تظاهرا بثراء غير متحقق، اذ ليس عليه الا:" رزقهن وكسوتهن بالمعروف، لا تكلف نفس الا وسعها"(البقرة: 233). ثم يأمرهما معا بألا يصلا فيما ينفقانه الى حد التبذير:" ان المبذرين كانوا إخوان الشياطين، وكان الشيطان لربه كفورا "(الإسراء: 27). وفى هذه الحدود:" لينفق ذو سعة من سعته"(الطلاق: 7).
***
4ـ فإذا لم يستطيعا بعد كل هذا أن يعيشا معا فلا إكراه فى الزواج كما انه لا إكراه فى الدين." فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان"(البقرة :229). ويأمر الإسلام بالثقة فى صدق أسباب الافتراق اذا كانت الزوجة هى التى أرادته فيكون الفراق بائنا. ولكنه يحتاط ضد نزوات هوى الرجل فيأمر بأن " الطلاق مرتان"(البقرة: 229) فإذا أعاد اليه مرة ثالثة " فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره " (البقرة: 230). وللزوجة دائما حق إنهاء العلاقة الزوجية بالخلع، أو اذا احتفظت به فى العقد، أو اذا كان استمرار الزواج يسبب لها ضررا:" فامسكوهن بمعروف أو سرحوهن بمعروف، ولا تمسكوهن ضرارا لتعتدوا"(البقرة: 231).
***
5 ـ ولكن صاحبنا لا ينفصل عن زوجته لأنه لا يتبع مجرد ما هداه اليه "عقله ومصلحته وهواه وشهوته" حينما يتعارض مع الشرائع والقواعد والآداب التى جاء بها الإسلام منظمة للزواج وفيما بين الزوجين، بل يستمر وينجب بنين وبنات يتأدبون بآداب الإسلام التى قرنت بين الايمان بالله وعدم الشرك به وبين الاحسان بالوالدين:” لا تعبدون الا الله وبالوالدين احسانا"(البقرة: 83). " واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا وبالوالدين احسانا"(النساء: 36)." قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم ألا تشركوا به شيئا وبالوالدين إحسانا"(الأنعام: 151)." وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين احسانا، اما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما وقل لهما قولا كريما. واخفض لهما جناح الذل من الرحمة وقل رب ارحمهما كما ربيانى صغيرا " (الإسراء: 23و 24). ولكن فى حدود الإيمان بالله "ووصينا الإنسان بوالديه حسنا وان جاهداك لتشرك بى ما ليس لك به علم فلا تطعهما"(العنكبوت: 8).
   ولقد تشب لصاحبنا ابنة ويجئ اليه من يخطبها، فتقبل، ولكنه حين يتشاور مع زوجته يتفقان على إرجاء الزواج. فيقول هو حتى تكمل تعليمها، وتقول هي: ولتبقى تساعدنى فى المنزل فى غير أوقات الدراسة. ويتبعان ما هداهما اليه عقلهما ومصلحتهما، وتغيب عنهما نواميس الحياة التى يحجبها الحياء، فيردهما الاسلام الى ما غاب عنهما." ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء ان أردن تحصنا."  (النور: 33) فيفهم الزوجان ما أراد الله أن ينبه اليه. فيأذن الوالد وينعقد العقد ويبدأ تكوين اسرة جديدة طبقا لذات الشرائع والقواعد والآداب التى جاء بها الاسلام وحكمت حياة أسرة صاحبنا.
***
6ـ غير أنه ما تكاد الأسرة الجديدة تتكون حتى ينهدم ركن أسرة سابقة. فقد يجئ الخبر بوفاة والد صاحبنا، ويحزن صاحبنا هو وأقاربه ثم يجتمعون ليروا ماذا يفعلون بما ترك المتوفى من مال. ويكادون يقتسمونه على ما تهديهم اليه عقولهم ومصالحهم وأهواؤهم، ويدعى كل واحد بأنه قد أبر المتوفى أكثر من غيره، أو أن المتوفى كان يبره أكثر من الآخرين، ويحتج بعضهم بأنهم أشد حاجة الى المال من غيرهم، ويتساءل أحد الحاضرين عما يكون من أمر الصغير اليتيم ابن المتوفى ويكادون يتنازعون. فلا يتركهم الإسلام لعقولهم ومصالحهم وأهوائهم بل يقول لهم: أولا: لا يرث أحدكم شيئا قبل أن يستوفى غير الوارثين حقوقهم. اذ لا ميراث الا " من بعد وصية يوصى بها أو دين " (النساء : 12 ) ثانيا : أما بعد ذلك فدعكم الان من عقولكم ومصالحكم وأهوائكم التى لا تتفق أبدا واقتسموا المال الموروث طبقا لما يأتى :" يوصيكم الله فى أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين فان كن نساء فوق اثنتين فلهن ثلثا ما ترك وان كانت واحدة فلها النصف ، ولأبويه لكل واحد منهما السدس مما ترك ان كان له ولد ، فان لم يكن له ولد وورثه أبواه فلأمه الثلث ، فان كان له اخوة فلأمه السدس ، من بعد وصية يوصى بها أو دين ، آباؤكم وأبناؤكم ، لا تدرون أيهم أقرب لكم نفعا ، فريضة من الله ، إن الله كان عليما حكيما "( النساء : 11 )." ولكم نصف ما ترك أزواجكم ان لم يكن لهن ولد، فان كان لهن ولد فلكم الربع مما تركن، من بعد وصية يوصين بها أو دين، ولهن الربع مما تركتم ان لم يكن لكم ولد، فان كان لكم ولد فلهن الثمن مما تركتم من بعد وصية توصون بها أو دين، وان كان رجل يورث كلالة، أو امرأة وله أخ أو أخت فلكل واحد منهما السدس، فان كانوا أكثر من ذلك فهم شركاء فى الثلث، من بعد وصية يوصى بها أو دين غير مضار، وصية من الله، والله عليم حليم"(النساء: 12). "يستفتونك قل الله يفتيكم فى الكلالة ان امروء هلك ليس له ولد وله اخت فلها نصف ما ترك، وهو يرثها ان لم يكن لها ولد، فان كانتا اثنتين فلهما الثلثان مما ترك، وان كانوا اخوة رجالا ونساء فللذكر مثل حظ الانثيين، يبين الله لكم أن تضلوا، والله بكل شئ عليم "(النساء: 176) فيأخذ كل صاحب حق حقه. يمر ذلك الحدث بسلام دون ان يكون سببا فى الخلف أو الفرقة أو النزاع بين الأقرباء. فحتى الذين لا يصيبهم من مال المتوفى شيئا لا يتهمون من يصيبون منه بأن قد ظلموهم. ذلك لأن شرائع الاسلام لا يضعها أحد منهم طبقا لما يهديه اليه " عقله ومصلحته وهواه " ولا يفرضها على غيره. ولو يتركون لعقولهم ومصالحهم وأهوائهم يتهم بعضهم بعضا. ولو يستبدلون بهذا النظام نظاما موضوعا يضعه الأقوى ويفرضه على الآخرين، قد يبدلون فيه من حين الى حين تبعا لتقلب مصالحهم وأهوائهم وقوتهم.
***
7ـ ثم ان الأقرباء الذين لا يصيبون من التركة ميراثا لا يحرمون منها إن كانوا محتاجين؛ لا هم ولا أولئك الذين لا يخفى عليهم ما راب فى ثروة صاحبنا من بعد الميراث بحكم الجيرة. فصاحبنا مسلم وقد أمر بما أمر به المسلمون." واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا وبالوالدين احسانا وبذى القربى واليتامى والمساكين والجار ذى القربى والجار الجنب والصاحب بالجنب وابن السبيل وما ملكت إيمانكم، ان الله لا يحب من كان مختالا فخورا. الذين يبخلون ويأمرون الناس بالبخل ويكتمون ما آتاهم الله من فضله واعتدنا للكافرين عذابا مهينا " (النساء: 36، 37) ذلك لأن فى مال المسلم القادر حقا لمن حرم منه وسأله، حتى لو لم يكن من ذوي القربى" وفى أموالهم حق للسائل والمحروم " (الذاريات: 19). على أى حال فان ذوي القربى الذين لا يصيبون شيئا من التركة ميراثا ويحضرون قسمتها فيما بين الورثة يصيبون منها ما يرضيهم قل أو كثر، نفاذا للشرائع والقواعد والآداب التى جاء بها الاسلام." للرجال نصيب مما ترك الوالدان والأقربون، وللنساء نصيب مما ترك الوالدان والأقربون مما قل منه أو كثر، نصيبا مفروضا. واذا حضر القسمة أولو القربى واليتامى والمساكين فارزقوهم منه وقولوا لهم قولا معروفا"(النساء: 7، 8).
***
8ـ ويخرج كل هذا من نصيب صاحبنا. أما نصيب أخيه القاصر اليتيم الذي وضع تحت وصايته فقد حرمت عليه الشرائع والقواعد والآداب التى جاء بها الاسلام المساس به قل أو كثر. بل عليه أن يديره لحساب صاحبه أحسن ما تكون الادارة وأن يرده اليه حينما يبلغ الرشد كاملا غير منقوص. " ولا تقربوا مال اليتيم الا بالتى هى أحسن حتى يبلغ أشده، وأوفوا بالعهد، ان العهد كان مسؤولا"(الاسراء: 34)، بعد أن يقدم اليه حسابا عن كيف تسلم المال، وكيف أداره وكيف تطور زيادة أو نقصا بين يديه وما اذا كان قد اقتطع منه اجر ادارة أم لا.ذلك لأن شرائع وقواعد وآداب الاسلام لا تكافئ مدير مال اليتيم بأجر الا أن يكون فقيرا." وابتلوا اليتامى حتى اذا بلغوا النكاح فان آنستم منهم رشدا فادفعوا اليهم أموالهم ولا تأكلوها إسرافا وبدارا أن يكبروا، ومن كان غنيا فليستعفف ومن كان فقيرا فليأكل بالمعروف، فاذا دفعتم اليهم اموالهم فأشهدوا عليهم، وكفى بالله حسيبا". (النساء: 6)
***
9ـ ذلك ما يكن من أمر صاحبنا فى علاقاته بزوجه وبنيه وأقاربه وما يتداول فيما بينهم من مال، مهرا أو ميراثا أو وصية أو إحسانا، أى علاقاته بأفراد أسرته والاقربين منه قرابة عصب أو قرابة رحم أو قرابة جيرة.

   أما العلاقة مع الاخرين، مع الناس، فهى علاقة عقود (اتفاقات ارادية بين الراشدين بدون اكراه أوغش). ما هو محل أو موضوع أو مضمون تلك العقود؟ يختلف الامر فى الزمان والمكان، فلا نستطيع ان نتابع علاقات صاحبنا مع غيره الا أن نعرف فى أى مجتمع يعيش وفى أى زمان كان مجتمعه ولما كانت الشرائع والقواعد والآداب التى جاء بها الاسلام غير مقصورة على مجتمع معين أو زمان معين فانها لم تأت مفصلة الأحكام، ولكنها ـ مع ذلك ـ لم تترك الناس لما تهديهم اليه عقولهم ومصالحهم واهواؤهم وشهواتهم، بل فرضت قواعد من النظام العام يكون على صاحبنا أن يلتزمها أيً كان.
    فمصدر الرزق هو الطبيعة: الأرض والسماء والبحار والانعام .. الخ:" هو الذى خلق لكم ما فى الارض جميعا"(البقرة : 29 ) . " ألم تروا أن الله سخر لكم مافى السماوات وما فى الارض " (لقمان: 20). " يا أيها الذين آمنوا كلوا مما فى الارض حلالا طيبا" (البقرة: 168). " لقد مكناكم فى الارض وجعلنا لكم فيها معايش"(الاعراف: 10)  .. الخ.
   أما سبب الرزق فهو وحده العمل." وان ليس للانسان الا ما سعى"(النجم: 39). " وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون"(التوبة: 105). ولقد حرم الاسلام ثلاثة أنواع من الكسب تأتى جميعا بدون أن يخالطها عمل. الاول الربا:" أحل الله البيع وحرم الربا"(البقرة: 275). والثانى المقامرة." يا أيها الذين آمنوا انما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه"(المائدة: 90) والثالث المال غير المستحق بصرف النظر عن سبب عدم استحقاقه." ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل"(البقرة: 188). أما الميراث فهو فائض تراكم عمل المتوفى بعد وفاته يؤول الى من كان يعلم أنه آيل إليهم فكان ـ على وجه ـ يعمل لهم.

  على صاحبنا بعد ذلك أن يرتزق بعمله ما يشاء. عمله الحالي، أو الناتج المتراكم من عمله السابق وأن يتملكه. ولما لم يكن صاحبنا ولا غيره بقادر على أن ينتج وحده كل ما يحتاج الي استهلاكه، فانه يتبادل الخدمات والمنتجات مع غيره من العاملين والمنتجين. وكل تبادل عقد. وكل وعد بالتبادل عقد. وكل تبرع عقد. وكل فسخ للعقد هو عقد. وكل وفاء بعقد هو عقد. وهكذا يكتشف صاحبنا أن حياته كلها بكل ما فيها من علاقات مع الآخرين هى سلسلة لانهائية من العقود المتجددة أبدا وأنها ليست الا حلقة من سلسلة العلاقات الاجتماعية التى تشد الناس بعضهم الى بعض حتى تحيلهم مجتمعا بعد أن كانوا أفرادا، وتقيد ـ فى الوقت ذاته ـ بعضهم لحساب بعض، فتحيل علاقاتهم نظاما بعد أن كانت أهواء. وتجعل حياة كل واحد منهم متوقفة على حياة الآخرين، فتحول دون " الفردية " التى تريد أن تخلى بين الفرد وبين ما يهديه اليه " عقله ومصلحته وأهواؤه ونزواته ".

    يتذكر صاحبنا كل هذا كلما قضم لقمة من خبز حصل عليه وفاء بعقد؛ من تاجر أعد له مكانا للبيع وفاء بعقد؛ حمله اليه حامل وفاء بعقد؛ بعد أن خبزه خباز وفاء بعقد؛ وعجنه عجان وفاء بعقد؛ وطحنه طحان وفاء بعقد؛ فى مطحنة يعمل فيها كل عامل وفاء بعقد، ويديرها مدير وفاء بعقد، ويحصل أجور الطحن فيها صراف بعقد، ويحمل الحب اليها ناقل وفاء بعقد، وزرعه زارع وفاء بعقد، وحرسه حارس وفاء بعقد، فى أرض استغلها وفاء بعقد، ليحصل من وراء ذلك على مال يوفى منه عقد شراء لقمة من خبز يقضمها. وما كان للاول أو للأخير أن يقضم لقمة من خبز حين يجوع، أو يشرب شربة ماء حين يعطش، أو يلبس، أو يسكن، او يطبب أو يداوى، أو يعلم أو يتعلم، أو يخترع أو يصنع، أو يستهلك، أو حتى ينام آمنا، لو لم يكن مئات الالوف من الناس الذين لا يعرفهم كافة قد أوفوا بعقود قد عقدوها. فتكتفى الشرائع والقواعد والاداب التى جاء بها الاسلام بأن تأمر بالمحافظة على سلامة هذه السلسلة اللانهائية من العلاقات الاجتماعية التى تنظم الافراد فتحيلهم مجتمعا منظما فتأمر المؤمنين جميعا أمرا:" يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود"(المائدة :1). وتزيد فتأمر بما يحول دون اعاقة الوفاء من نسيان أو مماطلة أو جشع فتأمر بالكتابة فى الديون المؤجلة:" اذا تداينتم بدين الى أجل مسمى فاكتبوه"(البقرة: 282). وتأمر بالرهن الحيازى فى المنقول لضمان الوفاء فى حالة غياب المدين:" وان كنتم على سفر ولم تجدوا كتبا فرهان مقبوضة"(البقرة: 283) وتأمر بأن يكون البيع مشهودا:" وأشهدوا اذا تبايعتم"(البقرة: 282).
***
10- نكتفي بما تقدم مثلا من حياة مسلم، تجرى هادئة بدون أن يتعرض خلالها للعقوبات الجزائية. ولو شئنا لتتبعنا حتى يقضى توجهه مجموعة كثيفة من الشرائع والقواعد والآداب التى جاء بها الاسلام. ولكن هذا يطول. ولقد رأينا كيف أن كل ماضربناه مثلا من الشرائع والقواعد والاداب التى جاء بها الاسلام قد جاءت فى صيغ آمره أو ناهية أو مكملة. نعنى بالمكملة ما تنظم أمرا اذا وقع بارادة صاحبه، ولكنها تترك أمر وقوعه أو عدم وقوعه لاختيار المسلمين. كما رأينا أن كل تلك الشرائع والقواعد والاداب واردة على علاقة اجتماعية، ثنائية أو جماعية، وبالتالى فان أمر التزامها أو اهدارها ليس متروكا لاختيار أحد اطرافها، فردا كان أو جماعة على ماتهديهم اليه " عقولهم ومصالحهم وأهواؤهم ونزعاتهم ". كلا. ان يلتزموها يستوقفهم شركاؤهم فيما يتعلق بهم من مصالح؛ وان يهدروها يردهم شركاؤهم فيها الى التزامها ولو قتالا. فتنبثق " السلطة العامة " كضرورة اجتماعية لحراسة النظام وفرض نفاذ قواعده ولو بالإكراه. من هنا نعرف ان التكليف الصريح باقامة سلطة عامة تزيد غير بليغ مادام الامر قد جاء بأسبابها الموضوعية.

   أما كيف تقوم هذه السلطة العامة، فيتوقف جوابه على ماهية كل مجتمع وظروف الناس فيه المختلفة مكانا ، المتطورة زمانا . فيكتفى الاسلام بما هو صالح للمحافظة على قاعدة المساواة بين الناس فى أى مجتمع ، فى أى مكان ، وفى أى زمان : الشورى: " وأمرهم شورى بينهم "( الشورى : 38 ) . والعدل " واذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل"(النساء: 58). وكلاهما " نظام"، لهذا جاء التكليف به خطابا للجماعة. 
  فالشورى نظام اجرائى لاتخاذ متعددين متساويين قرارات موحدة. فهى غير مقصورة على تبادل العلم بمشكلة مشتركة، ولا على تبادل ا لمعرفة بحلولها المحتملة وأساليب تحقيقها، ولكن هى فى النهاية تعيين القرار الذى يرى كل مشارك أنه الحل الصحيح للمشكلة المعروضة وذلك " بالاشارة " به على الاخرين. والامر بالشورى قطعى الدلالة على تحريم الاستبداد من ناحية، ووجوب الشورى من ناحية أخرى، فى كل أمر، أيا كان مضمونه، يخص جماعة، أيا كان عددهم. فيصبح اسناده اليهم فهو " أمرهم " جميعا وليس أمر أحد غيرهم. أما القرار الذى تسفر عنه الشورى فهو ملزم لكافة الشركاء فى الامر، للاسباب التى تحدثنا عنها من قبل (فقرة 77). فان كان القرار مما لا ينهض به كل أصحابه، دخل اختيار من يتولى القيام على تنفيذه فى نطاق الشورى؛ فان اختاروه، ثم قبل، أصبح ولى ذاك الامر تفويضا من أصحابه ملزما بقرارهم وذلك من ناحيتين: الاولى، ان مصدر شرعية ولايته تفويض محدد المضمون بالقرار ذاته، فان خالفه فقد شرعية الولاية. الثانية، ان مخالفته ما اسفرت عنه الشورى رجوع الى الاستبداد المحرم أصلا. فان التزم حدود التفويض، ومادام ملتزما، وجبت طاعته:" أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولى الامر منكم " (النساء: 59). اذن هى طاعة الجماعة، والا كان للجماعة أن تخلعه. أما كيف؟ ومتى؟ وأين؟ ولماذا يتشاورون؟ فمتروك لهم، يلتمسون أصلح أسبابه فى زمانهم ومكانهم مع جواز التفويض السابق والاجازة اللاحقة، وفى هذا يكون أمرهم شورى بينهم أيضا. ان الالتفات الى جواز التفويض السابق والاجازة اللاحقة يسهل فهم كيف كانت الشورى تتم على درجتين أو أكثر فى الامور المشتركة بين التجمعات القبلية الى أن تصل الى متحدث باسم القبيلة، وكيف كانت تتم بين عدد محدود فى مرحلتها الاخيرة وكيف كانت الثقة فى القائد، والمبادرة الى تنفيذ رأيه تفويضا سابقا أو اجازة لاحقة
   والعدل نظام اجرائى لبيان وجه الحق بين المختلفين فيه طبقا للقواعد المنظمة لعلاقات الناس قبل الاختلاف وذلك بما يسمى الحكم (القضاء)، ثم تنفيذ الأثر الذى ترتبه تلك القواعد فى محله ولو بالإكراه.
  وبدهى ان كل هذا، شورى وعدلا، يجرى ويدور فى الحياة الدنيا. فالناس لا يتشاورون الا فى أمور الحياة. والناس لا يحكمون بين الناس الا فى الحياة. فكلاهما، الشورى والعدل، نظام الحياة الدنيا. ثم انهما محددان بقواعد النظام العام الإسلامي، فان اختلف الناس فيما اذا كانا، شكلا أو موضوعا ـ يتفقان أم لا يتفقان ـ وقواعد النظام العام الاسلامى، كان فرضا عليهم اجمعين أن يرجعوا الى تلك القواعد فى القرآن فثمة حكم الله:" وما اختلفتم فيه من شئ فحكمه الى الله " (الشورى: 10) والناس لا يختلفون فى شئ الا فى الحياة الدنيا.
*****